نسيان فضل الله تعالى فيما أنعم به عليهم من تكوينهم أجنة في بطون أمهاتهم وسلامتهم من الإجهاض إلى أن ولدوا كاملي الأعضاء على أحسن حال ومن هنا يتطور الشرك في نفوس بعضهم فينسى خالقه ويلجأ إلى سواه ولذا أخذ جل وعلا يهزأ بسخافة عقولهم وضلالهم فقال {أيشركون} مع الله في الخلق والتكوين {ما لا يخلق شيئًا} أي من هو بالنسبة إلى الله كالجماد الذي ليس له أي تأثير في خلق النفس وإيجادها {وهم} أنفسهم {يخلقون} أي لم يكن لهم أي دخل حتى في خلقه أنفسهم {ولا يستطيعون لهم} أي لأبنائهم {نصرًا} في المستقبل {ولا أنفسهم ينصرون} أي بل لا يستطيعون نصر أنفسهم إذا ما اعتدى أحد عليهم ومن عجز عن دفع الضر عن نفسه فهو عن دفع الضر عن غيره أعجز {وإن تدعوهم إلى الهدى} وهو التجرد عن كل حول وطول والاعتقاد الجازم بأن الإنسان لا يملك نفع نفسه أو ضرها إلا وفق مشيئة الله وسننه كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله} .
{لا يتبعوكم} بتشديد التاء وقرئ بإسكانها فذلك من سجية الإنسان الذي يأبى إلا أن ينسب لنفسه كل شيء من عمل يده وينسى أو يتجاهل قدرة الله التي يستمد منها قوته والتي لولاها ما استطاع أن يعمل شيئًا ولذا قال تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله} . {سواء عليكم أدعوتموهم} إلى الإيمان بهذه الحقيقة {أم أنتم صامتون} فذلك أمر لا يتأتى إلا لمن كان قوي الإيمان بربه متمكنًا من معرفته.
بعد أن استعرض الله حالة البشر بفطرتهم السليمة ووصف أول شرك طرأ على نفوسهم بكفران نعم الله وتصورهم بأن لهم القدرة على نفع أنفسهم وضرها ناسين أو متجاهلين قوة الروح التي وهبها الله لهم والتي لولاها ما استطاعوا أن يفعلوا شيئًا أخذ يشير سبحانه إلى الاعتقاد بأن هناك من المخلوقات العظيمة كالشمس والقمر والنجوم والأوثان والأصنام شيئًا من أثر في النفع والضر ولذلك فإنهم يلجئون إليهم في الشدائد والملمات ويدعونهم من دون الله فشرع يناقشهم في هذا الأمر الذي لا ينبغي السكوت عليه ويقنعهم بضرورة الرجوع إلى الله والإيمان بوحدانيته وأن دعاء غيره يعد شركًا به جل وعلا فقال {إن الذين تدعون} أي تنادونهم لتفريج الكروب ودفع الضر عنكم وتحسبون أن في استطاعتهم إعانتكم ونصركم على أعدائكم {من دون الله عباد أمثالكم} أي خلق من خلقه جل وعلا لا يستطيعون نفعكم ولا نفع أنفسهم وإذا كنتم لا