الله لنيلها كما أسلفنا {ورزق كريم} أي ولهم أيضًا عند الله وعد أن يرزقهم رزقًا طيبًا إذ قال تعالى: {من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} وبمقتضى هذا الوعد الكريم من رب العزة مانح الأرزاق لعباده فأيما مؤمن يشكو سوء العيش في حياته فعليه أن يحاسب نفسه ويطبق صفات المؤمنين عليه في سره ليتبين حقيقة أمره ويحاول إصلاح ما فسد من طبائعه وليرجع إلى ربه ويستغفره ويتوب إليه فقد قال تعالى: {استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارً} .
بعد أن أمر الله رسوله بفض النزاع بين صحبه في غزوة بدر الكبرى في موضوع الأنفال بأنها لله ورسوله وأمرهم بتقوى الله وإصلاح ذات البين وطاعة رسوله إن كانوا مؤمنين ثم أخبره بما يحدثه الإيمان من أثر في قلوب معتنقيه يتجلى باتصافهم بخمس صفات وقال عمن تحلى بها: {أولئك هم المؤمنون حقًّا} أخذ يعلل هذا بقوله {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} أي وإنما كانوا هم المؤمنون حقًّا لأن إيمانهم بوعد الله يكاد يشبه إيمانك بوعد الله الحق بالنصر على قريش الذي أخرجك من بيتك {وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون} أي بينما كان فريق من المؤمنين كارهين الخروج معك وعندما انتصرت أخذوا يختلفون في أمر ما زاد من الأنفال فقال تعالى {يجادلونك في الحق} الذي منحه الله لك في الأنفال {بعد ما تبين} أن الغنيمة لم تحصل إلا نتيجة إصرار النبي صلى الله عليه وسلم على قتال قريش ثقة بوعد الله له بالنصر والظفر بإحدى الطائفتين ونتيجة لتوسلات الرسول صلى الله عليه وسلم وأنهم لم يطيعوه عن طيب نفس بل دفعوا إليه دفعًا {كأنما يساقون إلى الموت} من فرط جزعهم ورعبهم {وهم ينظرون} أي حتى كأنهم ينظرون شبح الموت ماثلًا أمام أعينهم ولا مفر منه لما كان من تفاوت بين حالهم وحال المشركين من حيث العدد والعدة غير أن يقين الرسول بموعد ربه هو الذي حقق لهم الظفر بأكثر مما كانوا يتصورون وما لم يكن في الحسبان وهنا وجه الله خطابه للمؤمنين وتولى إقامة الحجة على من جادل الرسول في أمر الأنفال وكان من قبل كارهًا للقتال فقال {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} أي واذكروا أن وعد الله لكم في السابق كان بالظفر بإحدى الطائفتين: حماة العير أو النفير ولم يعين لكم أي طائفة منها {وتودون} أي وكنتم تودون أنتم {أن غير ذات الشوكة} أي القوة وهم أبو سفيان ومن