الصفحة 958 من 1760

اشتركتم معهم في قتال لنصر دين الله وجهاد في سبيله ورأيتموهم من الكثرة كالجراد الزاحف {زحفًا} في تقدمهم لا يتراجعون {فلا تولوهم الأدبار} أي فلا تولوهم ظهوركم وأفنيتكم منهزمين خوفًا منهم وإن كانوا أكثر منكم عددًا وعدة ما دمتم تثقون في أنفسكم بأن في استطاعة من تجاهدون من أجله أن يقذف أعداءكم بشتى القوى الخفية التي تكسبكم النصر عليهم وأن من استشهد منكم فسينقل إلى حياة أفضل وأسعد من حياتكم الدنيا وفق قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون} الآية.

{ومن يولهم يومئذ دبره} أي يتراجع أمام زحفهم {إلا متحرفًا لقتال} أي يقصد العدول من خطة إلى خطة أفضل منها كأن يريد أن يتظاهر بالهزيمة خدعة ليستدرجهم إلى التوغل داخل المعسكر فيكر عليهم {أو متحيزًا إلى فئة} أي متنقلًا إلى الجانب الذي يكون فيه من يشد أزره من المجاهدين وما يسمى في عصرنا الحاضر «التقهقر بانتظام حسب أمر القيادة» {فقد باء} المتراجع لغير هذين السببين {بغضب من الله} فلا يستحق نصره بل ربما كان ذلك سببًا في تمكين العدو منه {ومأواه جهنم} في الآخرة {وبئس المصير} روى الشيخان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا يا رسول الله ما هي قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» وهنا أراد الله جل جلاله أن ينبه المؤمنين إلى حقيقة يجب أن يؤمنوا بها لأنها من صميم الإيمان وأساس التوحيد وهي أن الله جل جلاله هو مسبب الأسباب ومقدر الأقدار الذي أودع الحيوانات والنباتات وسائر الماديات خواص وآثارًا تدل على قدرة الله لا على أن تلك الحيوانات أو النباتات أو الماديات بذاتها وأشخاصها تملك التأثير في غيرها فالنار إذ تحرق فإنما تحرق بأمر الله الذي وضع فيها خاصة الإحراق والذي يستطيع أن يسلب تلك الخاصة منها متى أراد كما قال تعالى: {فقلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم} فلم تحرقه النار بل كانت عليه بردًا وسلامًا وكما نرى مثلًا الكينا التي تشفي الحمى كثيرًا ما يستعملها الناس فلا تشفيهم الأمر الذي يدل على أن الشفاء لم يكن من الكينا ذاتها بل بسر الله الذي أودعه الله فيها ولهذا أشار تعالى بقوله: {فلم تقتلوهم} أي أن قتلكم لهم لم يكن بتأثيركم الشخصي بل بعون الله لكم وتمكينكم منهم وإلا فإن الضرب بالسهم وبالسيف في الحرب لا يستلزم إصابة المرمى أو قتل شخص بعينه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت