الصفحة 961 من 1760

المؤمنين ألا فليتدبر هذا كل من يهمه توطيد دعائم ملكه على أساس من العزة والسيادة الكاملة وبلوغ ما يأمله من النصر المبين من قادة الأمة الإسلامية وزعمائها في سائر الأقطار.

بعد أن أمر الله المؤمنين بعدم الفرار من وجه أعدائه ساعة القتال وصور لهم كيف أنهم إنما يستمدون قوتهم على الدوام منه جل وعلا وأنه لم يأمرهم بالثبات إلا ليختبرهم في إيمانهم ليجزيهم بخير الجزاء وإلا فإنه تعالى قادر على إضعاف وإفساد كيد الكافرين ولكن مشيئته قد قضت بأن يكون دائمًا مع المؤمنين، أراد سبحانه أن ينبههم إلى أمر خطير جدًّا في الحرب هو ضرورة إطاعة القائد وتنفيذ أوامره في حال الدفاع لما في المخالفة من أضرار تجلت للمؤمنين في غزوة أحد عندما أمرهم الرسول بعدم مغادرتهم أماكنهم في طلب المدبرين من الأعداء في حال انهزامهم فقال {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله} في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه {ولا تولوا} أي تعرضوا {عنه} أي عن ابتاع الرسول في كل ما يأمر به باعتباره هو القائد الأعلى التي تجب طاعته وقد قال تعالى في آية أخرى: {ومن يطع الرسول فقد أطاع الله} .

{وأنتم تسمعون} أي والحال أنكم تسمعون منه كلام الله الآمر بوجوب طاعته وموالاته واتباع شريعته {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} أي ولا تكونوا في الطاعة بحيث تصغون إلى أقواله وتزعمون فهمها ثم لا تعملون بمقتضاها كمثل من يدعي السماع وهو في الواقع أطرش لا يسمع شيئًا فهو بزعمه السماع قد حرم نفسه من الاستفادة بما يلقى عليه من تعليمات هي في مصلحته وهداه فيكون شأنهم كشأن الدواب غير العاقلة وقد وصفهم الله بقوله {إن شر الدواب} الشر: نقيض الخير وهو اسم جامع للرذائل والدواب: جمع دابة وهو كل ما دب على الأرض بما في ذلك الإنسان لقوله تعالى: {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع} . {عند الله} أي أن أحد درجات الدواب في حكمه تعالى هم الذين اتصفوا بصفات ثلاث {الصم البكم الذين لا يعقلون} أي الذين فقدوا الاستفادة بهذه الحواس الثلاث ونحن إذ نتأمل في حياة جميع الدواب نرى كل حيوان يسمع أو يحس أو يدرك لا بد أن يفر من كل خطر سينتابه ولا يستسلم له، الأمر الذي يدلنا على أنه تعالى إنما يعني بشر الدواب أولئك الذين أنعم الله عليهم بحاسة السمع والنطق والعقل وأرسل لهم رسلًا تسمعهم كلام الله وتطالبهم بالنطق بكلمة الإيمان واليقين بوعده ووعيده فتولوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت