الصفحة 962 من 1760

عنهم وحرموا أنفسهم من الاستفادة بتلك المواهب {ولو علم الله} المطلع على خفايا القلوب {فيهم خيرًا} أي رغبة قلبية في الهداية {لأسمعهم} أي لألهمهم سماع كلام الله وتدبر آياته ولكنه تعالى علم من إمعانهم في الكفر وارتكاب الموبقات أنه لا خير فيهم. ولذلك لم يحملهم على سماع كلامه وفقًا لمشيئته التي قضت بأن يكون لهم الخيار الكامل فيما يريدون {ولو أسمعهم لتولوا} أي أن إلهام الله لهم بسماع آيات القرآن لا يكفي لحملهم على العمل بها إذا لم يكن هناك باعث قلبي أو رغبة في أنفسهم للاهتداء بهديها {وهم معرضون} أي والحال أنهم معرضون عن تدبره والعمل به كما هو شأن كثير من المسلمين في عصرنا هذا إذ يسمعون القرآن بقصد التبرك ويطربون لصوت قارئيه دون أن تكون غايتهم الاهتداء بهديه والاتعاظ بما فيه.

بعد أن أمر الله المؤمنين بطاعته ونهاهم عن الإعراض عن اتباع تعاليمه في الحرب في حال الدفاع أخذ يحبب إليهم طاعته وطاعة رسوله بالإقدام على الجهاد في سبيل الله والهجوم على الأعداء عن طريق إقناعهم بأنه صلى الله عليه وسلم لا يدعوهم إلى أمر من الأمور إلا أن يكون فيه خيرهم وسعادتهم فقال {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا} الاستجابة: تحقيق الطلب يقال استجاب الله دعاءه أي قبله وقضى حاجته {لله وللرسول إذا دعاكم} الرسول بأمر مرسله لقد جرى المفسرون على أن المراد من هذا إجابة نداء الرسول إذا دعا أحدًا وترتب على هذا أن اختلفوا: «هل تبطل الصلاة بإجابة دعاء الرسول؟ أم لا؟» وعندي أن الأمر بخلاف ذلك فسياق الكلام متجه إلى موضوع الجهاد ويفسره قوله تعالى {لما يحييكم} أي للأمر الذي من شأنه أن يضمن لكم الحياة السعيدة الدائمة ويعني بذلك الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال لأنه هو السبيل الوحيد الذي يكسب المسلم العزة والسلطان في هذه الحياة وفي الآخرة وبدونه يحتقر ويطمع الكفار أعداء الله في إذلاله واستعمار بلاده ويشككونه في عقيدته ويزلزلون إيمانه فيخسر الآخرة ويكون من أهل النار {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} ذهب المفسرون أن من سنة الله في البشر الحيلولة بين المرء وقلبه فإذا أراد الكافر الإيمان ولم يرد الله له ذلك حال بينه وبين قلبه وإذا أراد المؤمن الكفر ولم يرد الله له ذلك حال دونه ودون الكفر، وهذا أمر ظاهر الفساد لأنه يتنافى مع أول الآية ويعد حجة للمتقاعسين عن الجهاد على الرسول وعذرًا قويًّا لهم في ترك الاستجابة للرسول، وهذا غير مراد الله قطعًا بل الصواب الواضح أن يقال إن الله يحول بين عمل المرء وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت