الصفحة 964 من 1760

أصبحوا لا يذكرون هذا ويعتبرون ما ناله المسلمون السابقون من نصر لم يكن إلا بسبب وجود الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بينهم أو في الأوقات التي كانت الحروب قائمة على الشجاعة والفروسية أما الآن فلا نصر إلا بمقاومة الصواريخ والقنابل الذرية بمثلها، وفاتهم أن ذلك النصر لم يكن إلا بسر الإيمان بالله الذي يملك من القوى الخفية ما تضمحل أمامها جميع القوى المادية والمعدات الحديثة ومن السهل جدًّا حصول المؤمنين على نصر الله بواسطة اللجوء إليه والإيمان بقدرته والثقة به والاعتماد على مدده تعالى إلى جانب ما يعدونه من المعدات والقوى المادية التي أمروا بإعدادها ولو كانت بسيطة فالله من ورائها وهو على كل شيء قدير.

وبعد أن أمر الله المؤمنين بالاستجابة إلى رسوله فيما إذا دعاهم للقيام بواجب الجهاد وحذرهم من التقاعس عن ذلك وذكرهم بنصره تعالى وتأييده لهم، أخذ يحذرهم من أمر خطير له أثره الفعال في تغيير مجرى الحرب بل وخذلان المؤمنين وهو إفشاء أسرار الدولة وتنبيه الأعداء إلى ما يراد بهم. ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حاصر بني قريظة أرسل لهم أبا لبابة، ليقترح عليهم التسليم والنزول على حكم سعد بن معاذ فاستشاروه شخصيًا في قبول ذلك وكان فيهم مآله وولده فأشار أبو لبابة إلى حلقه يعني أن حكم سعد سيكون الذبح فلا تفعلوا فعد عمله هذا خيانة عظمى تتعلق بالله والرسول والضمير الإنساني حيث قال {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله} بنقض عهده والتفريط فيما أوجبه عليكم من حفظ الأمانة فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا عهد له ولا دين لمن لا عهد له» وفي حديث آخر: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» .

{والرسول} أي ولا تخونوا الرسول عن طريق نصح الناس بعدم الاستجابة لمقترحاته والنزول عند حكم من حكمه {وتخونوا أماناتكم} بإفشاء أسرار بعضكم الاجتماعية والخصوصية وغيرها لما ورد في الحديث: «المجالس بالأمانة» وفي رواية بزيادة «إلا ثلاثة مجالس سفك دم حرام أو فرج حرام أو اقتطاع مال بغير حق» وفي مقدمة الأسرار التي لا يجوز إفشاؤها ما يتعلق بشئون الدولة السياسية منها والحربية والقضائية التي من أجلها أنزلت هذه الآية {وأنتم تعلمون} أي والحال أنكم تعلمون مفاسد الخيانة وتحريم الله لها، أو تعلمون أن ما فعلتموه خيانة لظهوره، وأما ما خفي عنكم حكمه وكان الباعث إليه غرض شخصي وعاطفة نفسية كفعل أبي لبابة الذي حمله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت