الصفحة 965 من 1760

عليه خوفه على ماله وولده وحبه لهما فقد نبه الله إليه بقوله {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} أي اختبار وامتحان من الله لعباده يتبين بها مبلغ التفاوت بين حبهم وحب الله ومدى إيثار العبد رضاء الله على عاطفته نحوهم {وأن الله عنده أجر عظيم} يغدقه على من آثر رضاء الله على محبته لأمواله وأولاده، وما أن سمع أبو لبابة بهذا حتى شد نفسه على سارية من المسجد وقال والله لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى أموت أو يتوب الله عليّ ومكث على هذا سبعة أيام لا يذوق طعامًا ولا شرابًا حتى خر مغشيًا عليه ثم تاب الله عليه ولما بشر بذلك قال والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني فجاءه فحله بيده الشريفة وكان خير عبرة للمؤمنين الذين يخافون الله ويرجون ثوابه بالحرص على الأمانة واجتناب الخيانة بسائر أشكالها حفظنا الله منها.

بعد أن حذر الله المؤمنين من أمر خطير من شأنه أن يؤدي إلى خذلانهم وهو الخيانة التي قد تنشأ عن حب الإنسان لماله وولده وقال عنها إنها فتنة أردف ذلك بإرشادهم إلى سر خفي من أسراره الكونية من شأنه أن يعود عليهم بسعادة الدارين فقال {يا أيها الذين آمنوا} بوحدانية الله وسلطانه على عباده وعلمه بشئونهم كافة {إن تتقوا الله} اختلف المفسرون في المراد بالتقوى فقال بعضهم اجتناب جميع الكبائر وقال آخرون اجتناب سائر المعاصي وحملها آخرون على ملازمة الطاعات مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «التقوى ها هنا» وأشار إلى قلبه فيكون المعنى أن تخافوا الله في سركم عند ارتكابكم للمعاصي وتحاذروا من حلول نقمه بكم في كل وقت {يجعل لكم فرقانًا} الفرقان كل ما يفرق به بين الحق والباطل أي أن الله سبحانه وتعالى قد قضت مشيئته أن يلقي في قلب من يخافه بالغيب نورًا يستضيء به في ظلمات هذه الحياة الدنيا ويؤتيه الحكمة التي يعلم بها حقائق الأمور وصوابها فيكون على هدى من ربه فيعمل بما يرضيه بخلاف من لا أثر لخوف الله في قلبه فإنه ينقاد إلى نفسه ويتبع ما توحي به إليه شهواته {ويكفر عنكم سيئاتكم} كفر الشيء ستره أي يسترها في الدنيا {ويغفر لكم} ذنوبكم بالعفو والتجاوز عنها في الآخرة {والله ذو الفضل العظيم} الذي جعل من خوفكم منه تعالى في السر سببًا لنيل كل هذه النعم فعليكم أن تثقوا به لتنالوا ذلك لا محالة فتلك سنة الله وحكمه بين عباده ووعده الحق الذي لا يمكن أن يخلفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت