الصفحة 966 من 1760

بعد أن أرشد الله المؤمنين إلى أن تقواه من شأنها وفق سننه تعالى أن تقذف في القلب نورًا يهدي إلى الحق وتستدعي تكفير السيئات وغفرانها يوم القيامة أخذ يضرب لرسوله مثلًا بما كان من تأييده له ضد أعدائه وتخليصه من مكرهم وعدم إنزاله العذاب بهم من أجله ومن أجل المستغفرين المتقين من قومه فقال {وإذ يمكر بك الذين كفروا} بالله وتجردت قلوبهم من خوفه وهم زعماء قريش الذين اجتمعوا في دار الندوة وأخذوا يتشاورون فيما بينهم عن الطريقة التي يحولون بها بينك وبين نشر دعوتك {ليثبتوك} أي ليسجنوك في مكان واحد ويشدوا وثاقك ليحولوا دونك ودون لقاء الناس ودعوتهم إلى الإسلام {أو يقتلوك} لاعتقادهم أنهم بقتلك يقضون على دعوتك من أساسها {أو يخرجوك} من ديارهم فيأمنوا على قومهم من الإيمان بك وبرسالتك ولا يهمهم بعد ذلك ما يكون من أمرك {ويمكرون} المكر التدبير الخفي للإيقاع بالممكور به وهو ما أجمعوا عليه سرًّا بعد ذلك من قتلك وما دبروه من خطة ترمي إلى أن يجتمع من كل قبيلة أقواها ويشهروا جميعًا سيوفهم وينقضوا عليك ويضربوك ضربة رجل واحد فيتفرق دمك في القبائل بحيث لا يستطيع بنو هاشم الأخذ بثأرك ونفذوا ذلك بالفعل {ويمكر الله} إذ قابل عملهم بمثله وجعلهم يمضون في تنفيذ خطتهم كأنه لا يعلم من أمرهم شيئًا وقدر ما يبطل مكرهم وذلك بأن أغشى أبصارهم عند خروجك من بينهم وهم لا يشعرون وأنجى رسوله من مكرهم {والله خير الماكرين} ذلك لأن مكر البشر إنما يتعلق بتدبيرهم في إيقاع الضرر بالآخرين في الخفاء ومكره جل وعلا إنما يتعلق تجاه الممكور بهم من الغافلين أو التنكيل بالماكرين ولو بعد حين بعد أن أعلنهم به فلم يعد خافيًا عليهم ولا يعد مكرًا سيئًا {وإذا تتلى عليهم آياتنا} المنزلة في القرآن وتحدى الله الفصحاء بالإتيان بسورة مثله والتي ترمي إلى معرفة الله وتوحيده والمملوءة علمًا وحكمة وعظة وعبرة لكل من يتدبرها {قالوا قد سمعنا} ها وهي حقًّا فصيحة و {لو نشاء لقلنا مثل هذا} أي أنهم لم يؤمنوا بأنها من عند الله أوحى بها إلى رسوله لتكون شريعة تتبع، وتجاهلوا الغاية منها إذ قالوا و {إن هذا} القرآن بمجموعه {إلا أساطير الأولين} الأسطورة الحديث الذي لا أصل له أي أنهم يزعمون أن القرآن ما هو إلا عبارة عن كتاب قصص يحكي روايات لا حقيقة لها ولا يعترفون بأن الوحي قد نزل بها من عند الله لهدايتهم إلى ما فيه خيرهم ومن أجل هذا استخفوا به وأصروا على تكذيبه فانتفى خوف الله من قلوبهم بتاتًا حتى بلغ بهم الأمر حد الجنون بما سجله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت