الصفحة 968 من 1760

بعد أن ذكر الله رسوله بنجاته له من مكر قومه وعدم إنزاله العذاب بهم من أجله ومن أجل المتقين من قومه برغم استخفافهم بآيات الله وإيثارهم عذاب الله على هداه وصدهم عن المسجد الحرام بالقوة ظنًّا منهم أنهم أصحاب الحق في السيطرة عليه لأنهم توارثوا ذلك عن آبائهم من عهد إبراهيم عليه السلام أخذ يشير إلى أن الأمر لم يقف بهم عند هذا الحد بل إنهم كانوا إلى جانب هذا ينفقون الأموال الطائلة في سبيل صد الناس عن دعوة الإسلام وحرب رسوله حتى أنه رُوِيَ أن أبا سفيان وكان ممن عرف بالبخل قد أنفق على المشركين يوم أحد أربعين أوقية من الذهب وكانت الأوقية يومئذ اثنتين وأربعين مثقالًا فسجل الله عليهم هذه السيئة وبين نتائجها فقال {إن الذين كفروا} بالله ورسوله من قريش وغيرهم من سائر الأمم على ممر الأجيال من فرط بغضهم للإسلام لا بد وأنهم {ينفقون أموالهم ليصدوا} أي ليمنعوا الناس {عن سبيل الله} وهو دين الإسلام الذي قال تعالى عنه: {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} . {فسينفقونها} لمحاربة الإسلام والدعوة إليه، وها نحن أولاء تصديقًا لذلك تراهم فعلًا يبذلون الأموال الطائلة للجمعيات التبشيرية المنتشرة في جميع الأقطار لصد الناس عن دين الإسلام عن طريق المدارس والمستشفيات ومختلف الوسائل {ثم تكون عليهم حسرة} أي ندمًا وأسفًا لذهابها سدى دون أن يبلغوا غايتهم من القضاء على الإسلام قضاء مبرمًا بل كل ما يتوصل إليه أولئك المبشرون إنما هو اصطياد النذر القليل من عباد المادة في هذه الحياة، ولقد حدثني بعض الثقات أن مبشرًا جاء إلى مستشفى هرمل التبشيري في مصر القديمة وجمع المرضى من عامة الشعب الذين يعالجونهم مجانًا وهم لا يعلمون شيئًا عن حقائق الإسلام وأخذ يدعوهم إلى النصرانية وما إن انتهى من خطابه وهو يظن أنه اجتذب قلوبهم حتى صاح واحد منهم قائلًا وحدوه فردد الجميع قول «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وقال آخر صلوا على الحبيب فردد الجميع قولهم «اللهم صل على سيدنا محمد» فخرج المبشر خاسئًا نادمًا على ما أضاعه من وقت في تبشير قوم متعصبين لإيمانهم ومتحسرًا على الأموال التي أنفقتها الجمعية على هذا المستشفى العتيد {ثم يغلبون} المرة بعد المرة بأن يحال دونهم ودون الصد عن سبيل الله إما عن طريق الحكام أو عن طريق يقظة المسلمين وتزييف ما يأتون به من شبه ومطاعن ضد الإسلام فلا يسعهم إلا أن ينكمشوا على أنفسهم خاسرين {والذين كفروا} إنما يسلكون بكفرهم وصدهم عن الإسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت