ويجاب عن هذا الاستدلال عمومًا:
بأن طاعة ولي الأمر فيما لا معصية فيه مما لا ينازع فيه، لكن الشأن في النظر للتقنين هل هو سائغ ويحقق مصلحة للأمة كما يراه المجيزون، أو هو محرم وبالتالي فهو معصية ليس لولي الأمر أن يأمر بتنفيذها، كما يراه المانعون للتقنين.
4.أن القضاة هم بمثابة الوكلاء عن الإمام وهم نواب له، لأنهم صاروا قضاة بإذنه، و الوكيل مقيد بشروط موكله فلا يخرج عن حدودها، فإذا ألزمه بالقضاء على مذهب معين، أو بالتقنين، وجب عليه التقيد بذلك. (71)
5.أن الإجماع يكاد يكون منعقدا على أن من توفرت فيه شروط الاجتهاد من القضاة لا يجوز إلزامه بالحكم بمذهب معين أما إذا كان القاضي مقلدا - كما هو حال أكثر قضاة اليوم - فأقوال الفقهاء صريحة بأن إلزام هؤلاء بالحكم بمذهب معين أمر سائغ، ومن لا يرى هذا الإلزام من الفقهاء إنما يمنعونه لأنهم لا يرون توليه القضاة غير المجتهدين، وهذا فيه من الحرج مالا يعلمه إلا الله، فلم يبق إلا الإلزام بمذهب معين، لهؤلاء القضاة غير المجتهدين. (72)
ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن الاجتهاد يتجزأ كما قرره بعض المحققين من أهل العلم (73) وبالتالي فإذا كان لدى القاضي القدرة على الإحاطة بالباب أو المسألة بتصورها، وأقوالها وأدلتها، وكان لديه معرفة حسنة بأصول الفقه، فلا مانع من اجتهاده في هذه القضية. والله أعلم
6.حاجة المستجدات إلى حكم شرعي يتم بالنص عليها في التقنين، وتركها لاجتهاد القضاة ليس من الحكمة لكثرة مشاغلهم, وعدم تفرغهم للبحث والاستقصاء في كل مستجد، وخصوصا مع تطور الحياة، وكثرة المستجد فيها.
ومن الأمثلة على ذلك: المعاملات المصرفية ومسائل المقاولات، والمناقصات، وشروط الجزاء، ومشاكل الاستيراد والتصدير والتأمين بمختلف جوانبه ونحو ذلك، مما لا قدرة لغالب القضاة على معرفة الحكم الذي يحكمون به في الخلاف حولها، مما كان سببًا في إيجاد محاكم أخرى، لها جهة إدارية مستقلة عن الجهة الإدارية للمحاكم الشرعية، و مما كان سببًا في اشتمال هذه المحاكم على قضاة قانونيين يشتركون مع القضاة الشرعيين، وذلك كمحاكم فض المنازعات التجارية. (74)
7.أن ترك القضاة يحكمون بما يصل إليه اجتهادهم يؤدي إلى فوضى واختلاف في الأحكام للقضية الواحدة. (75)
بل وقع هذا الاختلاف أحيانا بين محكمتي التمييز في الرياض ومكة المكرمة. (76)
وربما أحدث ذلك بلبلة واضطرابًا، وأهدر الثقة بالمحكم الشرعية ففي التقنين توحيد للأحكام في الدولة ببيان الراجح الذي يحكم به. (77)
8.أن منع الجائز لدى بعض أهل العلم قد يترتب عليه حصول مفسده، ويخشى أن في الإبقاء على الوضع القائم - وهو عدم التقنين - ما يدعو إلى مالا تحمد عقباه، وفي التاريخ من ذلك عبر، فالمبادرة إلى وضع تدوين للأحكام الشرعية أمر مطلوب.