وأقدر البلاد على ذلك هي المملكة العربية السعودية، بحكم تطبيقها للشريعة الإسلامية، وانتشار الثقافة الشرعية الإسلامية بين أبنائها، حتى يكون عملها نموذجا يحتذى به. (78)
9.التقنين يمنع التعللات التي كانت تبريرا لإيجاد محاكم مستقلة عن الجهة الإدارية للقضاء كمحاكم فض المنازعات التجارية ونحوها، مما هو موجود أو في طريقه للوجود، مما كان له أثره في تفتيت الوحدة القضائية، وتقلص اختصاص المحاكم الشرعية. (79)
10.أن التقنين لا يخلو من مفاسد، لكن المصالح العامة التي يحققها التقنين والتي تعود على الضروريات الخمس بالعناية والرعاية والحفظ - كما مر في أدلة هذا القول - كل ذلك يدعو إلى التغاضي عن هذه المآخذ تطبيقا للقاعدة القائلة"إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما" (80) (81)
الفصل السادس
الرأي المختار
بعد أن ذكرت القولين بمنع التقنين وجوازه، وذكرت الأدلة، يظهر لي- والله أعلم - اختيار القول الثاني ومفاده: جواز التقنين وذلك لما يلي:
1.وجاهة أكثر الأدلة والتعليلات التي استدلوا بها.
2.الإجابة عن أكثر أدلة القائلين بمنع التقنين
3.ما استجد في واقعنا المعاصر من ظروف تقتضي إعادة النظر في النظام القضائي، ليكون هذا النظام أكثر ضبطًا، ووضوحا بالنسبة للقاضي أو المتقاضي، وكذلك فإن احتكاك بلدنا ببقة بلدان العالم وخاصة مع الانفتاح العالمي على غيرنا، مما يستدعي كتابة المواد التي يتقاضى إليها. خاصة وأن غيرنا سيطالبنا بها، إذا أردنا أن نقاضيه إلى شرعنا، فلا يمكن أن نحيله إلى مجموعة من كتب الفقه المذهبي أو المقارن.
فإن لم يوجد شيء مقنن ومرتب، فإما أن تفوت علينا مصالح لا نستغني عنها، وإما أن نتحاكم إلى قوانين ليس لها علاقة بالشريعة الإسلامية.
والتقنين وإن لم يسلم من المؤاخذات، إلا أن الأخذ به في هذا الوقت من باب ارتكاب أدنى المفسدتين لدرء أعلاهما.
لكنني أرى أن التقنين يستلزم الانفتاح على المذاهب الفقهية المعتبرة وآراء المفتين من الصحابة والتابعين، وأخذ أفضل ما في كل منهما في كل مسألة بعد النظر والتمحيص في ضوء الأدلة وقواعد الاستنباط، إذ لا يوجد مذهب واحد يحتوي على الراجح في كل مسألة.
ولعل في هذا المسلك ما يدفع لزيادة الاهتمام بدراسة الفقه المقارن في الجامعات الإسلامية وفي كليات القانون، وإلى خدمة فقه المذاهب بمؤلفات جديدة تخرجه من التعقيد الوعر الذي يشاهد في