نرجع إلى غير كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-. فمن أين أخذ هؤلاء إذن؟
2."قوله صلى الله عليه وسلم:"القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار, فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار" (34) "
ووجه الاستدلال به: أن الحكم المانع من الإثم هو الذي يرى القاضي أنه الحق والرأي الراجح المدون ليس بالضرورة هو رأي الحق في نظر القاضي فإن قضى بخلاف ما عرف أنه الحق أثم ويلزم منه منع الإلزام بالتقنين. (35)
ويجاب عن هذا الاستدلال بما أجيب به عن الاستدلال السابق.
3.الإجماع على عدم إلزام الناس بقول واحد وحملهم عليه. كما نُقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية (36) وغيره.
ويجاب عنه: بأن هذا الإجماع غير مسلّم، لأنه قد وجد من العلماء من قال بخلافه (37) ثم إن القول بالمنع من الإلزام بقول واحد قول صحيح لو كان جميع القضاة من المجتهدين، أما وقد علمنا أن العدد المطلوب تعينه من القضاة للفصل بين خصومات الناس يلزم تعيين من لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد - وهم كثير - فيصبح تعينهم جائز للضرورة أو الحاجة، وبالتالي فإن إلزامهم بقول واحد في هذه الحالة أمر سائغ. (38)
4.أن تدوين القول الراجح والإلزام به مخالف لما جرى عليه العمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين ومن بعدهم من السلف الصالح، وعُرضت هذه الفكرة من قبل إلى جعفر المنصور على الإمام مالك فردها وبين فسادها ولا خير في شيء أُعتبر في عهد السلف من المحدثات. (39)
ويمكن أن يجاب عن هذا: أن عدم وجود هذه الفكرة عند السلف لا يعني منعها، فلعل دواعيها لم توجد، ورأى الإمام مالك رحمه الله قد خالفه فيه غيره، ولو لم يخالفه غيره ليس قوله بمجردة حجه.
5.أن الصياغة للأحكام الفقهية بأسلوب معين سواء كان من قبل أفراد أو لجان فإنها ستتأثر ببشريتهم، ونسبتها إلى حكم الله ليست دقيقة، بينما صياغة نصوص الشرع ربانية معجزة و يمكن نسبتها إلى الله فيقال أحكام الله تعالى. (40)
ويجاب عن هذا: بأن التقنين مثله مثل الفقه فهو لا يخرج عن صياغة فقهيه لا أكثر، وما بقي من ترتيب، ووضع أرقام متسلسلة فهو أمر شكلي يسهل الرجوع للأحكام ولا يؤثر في مضمونها. (41)
6.التقنين لا يرفع الخلاف في الآراء، وهو من أهم مبررات التقنين، وهذا ما أثبتته تجربة الدول التي دونت الأحكام المعمول بها، حيث يختلف القضاة في تفسير النصوص. (42) ويجاب عنه: بالتسليم بما ذكروه، لكن التقنين يحُد من الاختلاف، وإن لم يرفعه، وهذا هو المطلوب. (43)
7.أثر التقنين على حركة الفقه عامة، وعلى القضاة خاصة، حيث يؤدي إلى تعطيل الثروة الفقهية، لأن عمل القضاة سيرتبط بهذه القوانين شرحا وتفسيرا مما يعطل التعامل مع كتب الفقه، ويحجر