على القضاة، ويوقف حركة الاجتهاد، والنشاط الفكري، لتلبية مطالب الحياة المتغيرة، ومواجهة الأنظمة والأعراف والمعاملات المتجددة. (44)
وأُجيب عن هذا: بأن التقنين ليس فيه حجر كبير على القضاة لأن تدوين الفقه لا يمنع الاجتهاد، والحياة تولد من المستجدات مما يعطي القاضي المجتهد مجالا واسعا في تبني أحكام جديدة لها، ويكفيه أن يجتهد في ملابسات القضية المعروضة عليه، ويعينه على الاجتهاد في القضايا الأخرى اللجان المختصة لوضع القوانين، كما أن للأحكام المقننة مذكرات إيضاحية وشروح ولا يستغني واضعو هذه المذكرات والشروح عن كتب الفقه. (45)
ويظهر لي والله أعلم: أن التقنين فيه كثير من التضييق على القضاة المجتهدين، وتأطير لهم ليكون عملهم ضمن مواد التقنين، لكن إنزال هذه المواد على القضايا المعروضة عليه، فيه نوع اجتهاد، مع ملاحظة قلة المجتهدين في قضاة اليوم. والله المستعان.
لكن يلاحظ هنا أن التقنين ليس شاملا للجهات العلمية المختلفة وإنما هو خاص بالقضاة فيما يحكمون به
, مع أن القاضي إذا كان لديه الأهلية في البحث والاستقصاء والاجتهاد، فإن الجهة المختصة به إداريا
ستعير اجتهاده ما يستحقه. (46)
8.أن كلمة (تقنين) يخشى منها أن تكون طريقا لإحلال القوانين الوضعية مكان الشريعة الإسلامية فيكون التشابه في الاسم أولا، ثم المضمون ثانيا، عياذا بالله. فمنع هذه التسمية واجب من باب الحذر. (47)
ويجاب: بأن هذه التسمية (كالتقنين) ونحوه، مواصفات واصطلاحات المراد منها مفهوم ومعلوم للجميع، ولامشاحة في الاصطلاح، والتخوف من المصطلح لإشكاليته أو مشاكلته يمكن أن يحل بإيجاد مصطلح مناسب.
وما يذكر من أن التقنين خطوة إلى إلغاء الشريعة الإسلامية والاستدلال بعمل بعض الدول التي دونت الراجح من أقوال المذهب الذي تنتسب إليه في مواد، ثم ألزمت بالعمل به في محاكمها ثم ألغت الشريعة مطلقا. فهذا مردود بأن تلك الدولة لم يقتصر تنكرها للدين على السلك القضائي في المحاكم، وإنما نفضت يدها من الدين مطلقا، وانتقلت إلى دولة علمانية، وكثير من الدول الإسلامية لم يكن القضاء عندها مقننا بل كانت تحكم بالراجح من مذهب إمام من أئمة المسلمين فكان منها عياذا بالله أن ألغت العمل بالشريعة الإسلامية وأخذت بقوانين أوربا، فليس التدوين (التقنين) وسيلة إلى تحقق ما بدت المخاوف منه. (48)
9.أن الأحكام الشرعية المقننة إذا ما عدّلت- وهذا من طبيعة كل عمل بشري - فإنه يؤدي إلى زعزعة الثقة بأحكام الشريعة الإسلامية، وكثرة التعديلات التي تجرى على القوانين تبعدها عن أصلها الشرعي كما هو مشاهد في قوانين الأحوال الشخصية. (49)