فهرس الكتاب
إذا أخذ برأي ابن جني هذا ، فكيف تُفسر الأبيات المردود روايتها ؟ هل يقال فيها أنها من غلط الرواة فلا يستدل بها ؟
الواقع كما يقول السيوطي أنه كثيرًا ما تروي الأبيات علي أوجه مختلفة ، وربما كان الشاهد في بعض دون بعض ، فربما كان الشاعر أنشده مرة هكذا ومرة هكذا [1] .
ويحتمل أن يكون من تغيير الرواة ؛ فإن العرب كما يقول ابن هشام كانت تنشد بعضهم شعربعض ، وكل يتكلم علي مقتضي سجيته التي فُطر عليها ، فتكثر الروايات في بعض الأبيات [2] .
فكأن الأمر إذن راجع إلي اختلاف اللغات ، واللغات كلها حجة كما يقول ابن جني [3] .
وعليه فإن الرواية لو ثبتت عن ثقة لم يجز ردها ، وإن ثبتت رواية أخري [4] .
أما إذا لم يتعرض البيت للإنكار فإنه يدخله التأويل من قبل المانعين ، ومثال هذا ما قالوه في قول الشاعر: وَمِمَّن وَلَدوا عامِرَ ذو الطولِ وَذو العَرضِ
فإن البصريين قالوا فيه إن ( عامر ) في البيت يستحق المنع ؛ لأنه جعله علمًا علي القبيلة ؛
إذ هو أبوها ، فمُنع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي ، وإنما قيل ( ذو ) حملًا علي
المعني ؛ والحمل علي المعني كثير في كلامهم [5] .
وممن أوّل هذا التأويل أبو العلاء المعري ، قال في صرف ( مرداس ) في بيت عباس بن مرداس السابق:"وكان محمد بن يزيد المبرد ينشد: ( يفوقان شيخي في مجمع ) ، وإذا ترك التنوين جاز أن يذهب بهذا الاسم مذهب ( كلاب و عقيل ونمير ) [6] ؛لأن الله تعالي قد أنشأ تلك الشجرة فروعاًِ كثيرة" [7] .
(1) ... انظر: الاقتراح صـ48 . ...
(2) ... انظر: السابق نفسه صـ 48 . ...
(3) ... الخصائص 2/386 . ...
(4) ... انظر: شرح الكافية للرضي 1/108 .
(5) ... انظر: الأصول 3/437 ، وشرح السيرافي للكتاب 2/105 ، والإنصاف 2/506 ، وابن يعيش 1 ... /68 و شرح الجمل لابن عصفور 2/569 . ...
(6) ... هذه أسماء قبائل . ...
(7) ... شرح ديوان ابن أبي حصينة 2/91 . ...