الصفحة 696 من 774

10ـ إذا كان ممكنًا أخذ شعر ابن أبي حصينة مقياسًا لمعرفة ماطرأ على العربية من تطور في الأساليب و الصيغ في أواخر العصر العباسي , فسيتضح أن العربية حافظت على صورتها في القواعد والتراكيب , لا في أعين المفردات المستعملة في عصور الاحتجاج , فالمفردات قد يقل استخدامها في عصر ويشيع استخدام مفردات أُخَر , تجري هي الأخرى على قواعد العربية ,أما الأساليب و التراكيب , فقد حافظت على صورتها الصحيحة , اللهم إلا ما يقتضيه التطور الطبيعي من استخدام ألفاظ غير عربية , و إخضاعها لقوانين العربية بطريقة أو أخرى , وقد جرى ابن حصينة على ماعرف في شعر عصور الاحتجاج , و لم يخرج عنه في لغته وتراكيبه النحوية , حتى أنه لم يرد في شعره من مسائل الضرورة التي أصَّلها النحاة شيء مخالف , مع أن مسائل الضرورة هي مظانُّ التطور عند الشعراء بتوالي الأزمنة , سواء أكان تطورًا بطيئًا أم متلاحقًا , وهذا يدل على أن الشعر في تلك الفترة مع تطوره في الأساليب الفنية تطورًا كبيرًا عن صورته في عصور الاحتجاج , حافظ بوعي على السلامة اللغوية , و ذلك لم يمنعهم في تلك الفترة , من إتاحة شيء من الحرية في التصرف في بعض مفردات العربية بالاشتقاق منها على الطريقة العربية , و إن كان الوارد فيها عن العرب بخلاف تصرفهم , ومن هذا تصرف ابن أبي حصينة في الاشتقاق من ( الميلاد ) فعلًا , فقال: ( ملَّدوا) مع أن هذا الاستعمال لم يرد عن العرب , ومن هذا أيضًا اشتقاقه من لفظة (الريف ) فعلًا , فقال: ( ارتافوا ) , و لم يرد عن العرب اشتقاقه بهذه الطريقة , و يلاحظ أن أبا العلاء قد أقر ابن أبي حصينة في هذا التصرف اللغوي , فلم يتعرض له بإنكار , و كأن أبا العلاء لكونه شاعرًا قبل أن يكون عالمًا بالنحو يرى أن من حق الشعراء أن يتصرفوا في المفردات إن هي جرت على سنن العربية و قوانينها , و قد صرح بهذا في مسألة مخالفة اشتقاق اسم المفعول لما يجب له , فقال لما أتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت