بالإغشاء والتكوير والإيلاج والسلخ نتائج علمية هامة، ولكنها صعبة الفهم على ذهن من لم يكن ملمًا بعلم الطبيعة والفلك إلمامًا كافيًا، وكما أنها نتائج لم يصل إليها علماء التفسير من قبل لتمسكهم بالمعنى الزمني لليل والنهار، وكان لهم في ذلك عذر واضح الى آخر قولهم.
قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله فهم لم يقفوا عند حد التأويل والتحريف بل تعدوا ذلك الى الطعن في سلفنا الصالح، فهم إذ لم يجدوا من علماء السلف المعتبرين من يوافقهم الى ما ذهبوا إليه طعنوا فيهم ولمزوهم وتنقصوهم بل وأكدوا هذا الطعن في نهاية البحث حيث قالوا: والقرآن لا ينكر صعوبة القضية، بل يصرح بها في آيات مختلفة بقوله سبحانه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لإولِي الألْبَابِ (190) آل عمران، وألو الألباب، أي: أصحاب العقول المتعلمة المتخصصة (قلت: يقصدون أنفسهم) ، وقوله تعالى مشيرًا إلى دوران الأرض حول نفسها: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) الفجر، والحجر معناه: العقل المفكر."وقالوا أيضًا بعد ذلك: لقد أخطأ المفسرون القدامى عندما اعتبروا هذه الآية إشارة الى نسف الجبال نسفًا يوم القيامة، وهم معذورون في ذلك، لأنهم لم يكونوا على معرفة بأن للأرض حركة ما، لا يومية ولا سنوية، ومن ثم فليس صحيحًا أن يحتج الطاعن بكلام المفسرين في ذلك الوقت الذي لم يكن لديهم فيه علم بهذه الحقيقة الكونية، وهم في النهاية بشر يؤخذ من كلامهم ويرد". انتهى (نقلًا بالنص من موقع موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة) ،
وهذا فيه جناية عظيمة وطعن في سلفنا الصالح الذين أمرنا الله تعالى بعدم الخروج عن طريقتهم أو رأيهم أو فهمهم كما قال تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) النساء، وقال: وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) التوبة، وفيه جرأة عظيمة على تخطئة أمة بأكملها الى أن خرج علينا الألوسي بقوله، مع أن القول بدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس قد كان موجودًا قديمًا ويقول به طائفة من الفلكيين كما نقلنتُ قول ابن حجر في مقالي"جريان الشمس والقمر وسكون الأرض"الجزء الثاني حيث قال رحمه الله: وَظَاهِره مُغَايِر لِقَوْلِ أَهْل الْهَيْئَة أَنَّ الشَّمْس مُرَصَّعَة فِي الْفَلَك، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي يَسِير هُوَ الْفَلَك وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَسِير وَتَجْرِي. انتهى (نقلًا من الفتح بَاب صِفَة الشَّمْس وَالْقَمَر بِحُسْبَانِ) . فهذا القول كان موجودًا ومع هذا لم يعبأ به أحد من علماء السلف لمخالفته لصريح القرآن، وقد حاربته الكنيسة - كما ذكروا في موقعهم - لمخالفته للكتب المقدسة لديهم - التوراة والإنجيل - فالقول بأن سلفنا لم يكن لديهم فيه علم بهذه الحقيقة الكونية فيه مغالطات وتجني عليهم، وهم وإن عذروهم ولكن هذه جناية كبيرة لابد أن يتراجعوا عنها ولا يكونوا كحال السابقين من أهل التأويل والتحريف الذين يقولون: إِنَّ طريقة السّلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وهذا تنقّص للسّلف، وطعن في علمهم وإيمانهم، وتناقض ظاهر، إذ مقتضى السّلامة العلم والحكمة!! كل ذلك ليوفقوا بين الآيات والنظريات الحديثة في ظنهم، وحتى لايطعن - بزعمهم - أهل الإلحاد بالقرآن لأنه يثبت دوران الشمس حول الأرض، وكأن أهل الإلحاد اذا اتبعناهم في قولهم هذا سيرضون عنّا، بل لن يرضوا عنّا حتى نتبع ملتهم ونلحد في آيات الله، قال تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120) البقرة، فلنصدع بكلمة الحق ولا نخاف في الله لومة لائم ولا يضرنا بعد ذلك من وافقنا أو من خالفنا.