يحدث من تكوير للشمس وانكدار للنجوم ونسف للجبال وغيرها لا يحدث ذلك عن فوضى وعبث - تعالى الله عن ذلك - بل يحدث ذلك كله عن حكمة واقتدار تجعل المسلم يتفكر في هذه الآيات ويتعظ، قال ابن كثير: وقوله: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} أي: يفعل ذلك بقدرته العظيمة الذي قد أتقن كل ما خلق، وأودع فيه من الحكمة ما أودع. انتهى من التفسير. فلا شيء من فعل الله يوصف بالعبث بل فعله تعالى بمقتضى العلم والحكمة والأتقان والكمال، وإذا كانوا هم لا يرون من زوال الجبال يوم القيامة من حكمة أو إتقان فإنما دخل عليهم الشيطان من قبل قصور فهمهم ونقص علمهم لا أن ذلك مدلول القرآن كما قيل:
وكم من عائب قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم،
وهذه هي أقوى استدلالاتهم على أن آية النمل فيها دليل على دوران الأرض وأما بقية استدلالاتهم الأخرى فيستطيع ردها ودحضها كل من له عقل باصر كقولهم مثلًا: ختم الله الآية بقوله: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) . أي عالم بما تفعلونه الآن في الدنيا، والآخرة ليس فيها فعل، فكيف يخاطبهم وهم في أرض المحشر بهذا القول وهم لا يستطيعون أن يأتوا بفعل!! قلت: يخاطبهم كما قال ابن كثير في تفسيره ليعلمهم أنه عليم بما يفعل عباده من خير وشر فيجازيهم عليه ولا يظلمهم، وهذا الخطاب يعظ القارئ في الدنيا أنه سيجازى على فعله في الآخرة، ويعتقد السامع يوم القيامة أنه لا يُظلم، ثم هذه الخاتمة هي نفس خاتمة الآيات من سورة الزمر، حيث بعد أن قال الله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ (68) قال بعد ذلك: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) فهل يرد كلامهم السابق هنا كما أوردوه على أية النمل؟! أم يعودوا الى رشدهم ويقولوا كما قال أهل التفسير من السلف إنه يخاطبهم ليعلمهم أنه عليم بما يفعل عباده من خير وشر فيجازيهم عليه.
والآن نأتي الى الفرض الجدلي وهو: هب أن الآية تتكلم كما قالوا: عن حركة الجبال في الدنيا وفي ذلك إشارة ضمنية إلى حركات الأرض المختلفة التي تمر كما يمر السحاب، فمن أين نفهم ونستدل من حركة الجبال على دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس؟! فالآية على هذا الفرض الجدلي يمكن أن نستدل به على حركة الأرض فقط لا على دورانها حول نفسها وحول الشمس كما تقول النظرية.
فالخلاصة: دُحضت بفضل الله تعالى كل استدلالاتهم في أن آية سورة النمل: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) . تتكلم عن حركة الجبال في الدنيا وفي ذلك إشارة ضمنية إلى حركات الأرض المختلفة التي تمر كما يمر السحاب، وإذ قد سقطت استدلالاتهم، كان معنى الآية كما ذهب إليه السلف: أن الآية تتكلم عن حركة الجبال يوم القيامة، فلا دليل لهم من القرآن يثبت دوران الأ رض حول نفسها وحول الشمس.
والآن نأتي الى مناقشة استدلالهم الثاني - آيات توليد الليل والنهاربالإغشاء والتكويروالإيلاج والسلخ والسبح -
قالوا: ومن تلك الإشارات القرآنية ما يتحدث عن جري الأرض في مدارها حول الشمس، ومنها ما يتحدث عن دوران الأرض حول محورها أمام الشمس، وقد استعاض القرآن الكريم في الأشارة الى تلك الحركات الأرضية بالوصف الدقيق لسبح كل من الليل والنهار واختلافهما وتقلبهما، وإغشاء كل منهما الآخر، وإيلاج كل منهما في الآخر، وسلخ النهار من الليل، ومرور الجبال مر السحاب كما يتضح من الآيات القرآنية ... ، ثم ذكروا تلك الآيات والتي منها قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) . ثم قالوا بعد ذلك: مما تقدم يتضح أن النتائج المستنبطة من آيات توليد الليل والنهار