يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) البقرة، قال ابن كثير رحمه الله: فأما قوله: {يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ} قال ابن جرير رحمه الله: العرب قد تسمي اليقين ظنًا، والشك ظنًا، نظير تسميتهم الظلمة سُدْفة، والضياء سُدفة، والمغيث صارخا، والمستغيث صارخًا، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضدّه. انتهى من التفسير، وكذلك في قوله تعالى عن الكافرين في يوم القيامة: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53) الكهف، قال ابن كثير: أي: إنهم لما عاينوا جهنم حين جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فإذا رأى المجرمون النار، تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها. انتهى من التفسير، فهذا الظن من المجرمين يكون يوم القيامة في أرض المحشر قبل دخولهم جهنم ويكون بمعنى تحقق الوقوع وليس بمعنى الظن والحسبان كما زعموا!! فسقط استدلالهم الثاني أن حركة الجبال تكون في الدنيا قبل يوم القيامة.
وأما قولهم: اختلاف الصيغة عن سابقاتها في التعبير، فهناك قال تعالى: (ويوم يُنفخ في الصور) بالبناء للمجهول، وهنا وردت العبارة بلفظ الخطاب: (وترى الجبال) بالبناء للمعلوم الى آخر قولهم، قلت: فهذا القول كذلك يدل على قلة فهمهم لكتاب الله الذي أمرنا بتدبر آياته، فهذه الآيات في عرضها لأحوال القيامة هي في عرضها هذا تشبه الآيات من سورة الزمر حيث يقول تعالى:
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلاّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لأ يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75) الزمر،
فهذه الآيات ابتدأها الله تعالى بقوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) بالبناء للمجهول، ثم قال تعالى بعد ذلك: (وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ) بالبناء للمعلوم، فهل يقولون أن رؤية الملائكة تكون في الدنيا كما قالوا عن حركة الجبال في آية النمل لأنها جاءت بالبناء للمعلوم .... الى آخر كلامهم؟! أم يعودون الى رشدهم فيقولون كقولنا أن آية النمل تتكلم عن حركة الجبال في يوم القيامة وأنها لاتتكلم عن حركة الجبال ولا دوران الأرض!! وأن هذا من أسلوب القرآن في عرضه لمشاهد يوم القيامة كأنها رأي عين كما يظهر ذلك جليًا لمن يتدبر القرآن، فسقط استدلالهم الثالث أن حركة الجبال تكون في الدنيا قبل يوم القيامة.
أما قولهم: عند قيام الساعة تتزلزل الجبال وتتطاير، ومثل هذا لا يقال له صنع ولا يوصف بالإتقان!! قلت: قولهم هذا يدل على أنهم أصابتهم لوثة التشبيه!! فإذا كان فعل الله كفعل المخلوقين - تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا - حدث ما يقولون من أن مثل هذا لا يقال له صنع ولا يوصف بالإتقان، فعقيدتنا في الله كعقيدة سلفنا الصالح في أنه سبحانه ليس كمثله شيء لا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله، فالله تعالى كما أتقن وأكمل وأحسن بداية الخلق كذلك يتقن ويكمل ويحسن نهاية الخلق ويعيده كما بدأه كما قال تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَانَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) الانبياء، فما