الصفحة 23 من 30

ألف سنة فتتغير الأحوال وتتنقل وتختلف، وإذا كنا نرى أن الجو يختلف في الدنيا بين عشية وضحاها، وبين يوم وآخر، وبين أسبوع وأسبوع، وبين شهر وشهر، وبين السنة أولها وآخرها، فإن الجبال والأحوال يوم القيامة تتغير من شيء إلى آخر، ولذلك نقول: كل النصوص في يوم القيامة التي ظاهرها التعارض ليس فيها تعارض، بل تحمل على تغيير الأحوال، يعني: يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة". نقلًا من لقاء الباب المفتوح، فحركة الجبال ونسفها وزوالها ثم حشر الناس على أرض بيضاء مستوية يحدث ذلك كله يوم القيامة في أحوال مختلفة وذلك يظهر جليًا لمن تتبع آيات القرآن التي جاءت في ذكر مشاهد يوم القيامة وتدبرمعانيها، لا أن الجبال تتحرك وتنسف قبل يوم القيامة ثم يحشر الناس، والدليل على ذلك الآية من سورة الكهف: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) قال ابن كثير رحمه الله: يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظام، كما قال تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} [الطور:9، 10] أي: تذهب من أماكنها وتزول، كما قال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل:88] ، وقال تعالى: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة:5] وقال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا} [طه:105 - 107] يقول تعالى: إنه تذهب الجبال، وتتساوى المها د، وتبقى الأرض {قَاعًا صَفْصَفًا} أي: سطحًا مستويًا لا عوج فيه {وَلا أَمْتًا} أي: لا وادي ولا جَبَل، ولهذا قال تعالى: {وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً} [أي: بادية ظاهرة، ليس فيها مَعْلَم لأحد ولا مكان يواري أحدًا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية، قال مجاهد وقتادة: {وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً} ] لا خَمَرَ فيها ولا غَيَابة، قال قتاد ة: لا بناءَ ولا شَجَر، وقوله: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} أي: وجمعناهم، الأولين منهم والآخرين، فلم نترك منهم أحدًا، لا صغيرًا ولا كبيرًا، كما قال: {قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الواقعة:50، 49] ، وقال: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود:103] . انتهى من التفسير. فالآية واضحة جلية محكمة من غير لبس - ولا حاجة لاستعمال اشارات ضمنية - في أن تسيير الجبال وحشر الناس على أرض بيضاء مستوية يكون يوم القيامة، لا أن تسيير الجبال يكون في الدنيا قبل القيامة، وحشر الناس على أرض بيضاء مستوية يكون يوم القيامة وبذلك تجتمع الآيات والأحاديث وتُحمل أقوال العلماء فسقط استدلالهم الأول أن حركة الجبال تكون في الدنيا قبل يوم القيامة."

وأما قولهم: إن الآخرة ليس فيها ظن وحسبان إنما تظهر فيها الحقائق على أتم الصور وأكمل الوجوه، قلت: فقولهم هذا كذلك يدل على قلة علمهم وعدم إحاطتهم بآيات القرآن، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: وأما زعم هذا الرجل القائل بذلك بأن يوم القيامة تكون الأمور حقائق وهنا يقول: {وترى الجبال تحسبها} فلا حسبان في الآخرة، فهذا غلط أيضًا لأنه إذا كان الله أثبت هذا فيجب أن نؤمن به ولا نحرفه بعقولنا، ثم إن الله يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ(1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (الحج:2) . فإذا قلنا إن زلزلة الساعة هي قيامها، فقد بيَّن الله أن الناس يراهم الرائي فيظنهم سكارى وما هم بسكارى، وعلى كل حال فإن الواجب علينا جميعًا أن نجري الآيات على ظاهرها وأن نعرف السياق لأنه يعين المعنى، فكم من جملة في سياق يكون لها معنى ولو كانت في غير هذا السياق، لكان لها معنى آخر، ولكنها في هذا السياق يكون لها المعنى المناسب لهذا السياق. انتهى من تفسير الشيخ لسورة الكهف، فالمتتبع لآيات القرآن يجد أن الله تعالى يذكر الظن في موضع اليقين في مواضع كثيرة من القرآن كما في قوله تعالى عن المؤمنين: الَّذِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت