وأمّا الثاني: وهو كون هذا المعنى هو الغالب في القرآن فواضح، لأن جميع الآيات التي فيها حركة الجبال كلّها في يوم القيامة، كقوله تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} ، وقوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً} ، وقوله تعالى: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} ، وقوله تعالى: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} . انتهى من أضواء البيان.
ولكنهم بعد هذا الرد المبين من الشيخ رحمه الله أبوا إلا المراوغة فقالوا: ليس صحيحًا أن قوله {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} يتحدث عن مشهد من مشاهد يوم القيامة، فمن ناحية أولى: الجبال تنسف في الدنيا وتتناثر قبل يوم القيامة فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم وهوالصادق المصدوق أن الناس يحشرون يوم القيامة على أرض بيضاء مستوية كما في الصحيحين: يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي. قال سهل - أو غيره - ليس فيها معلم لأحد، أي: مثل قرص الخبز الأبيض، الخالص البياض، فأين هي الجبال حتى ينظر الناس إليها يوم القيامة؟ فهذا نص قاطع على أنه ليس في الآخرة جبال، قال الخطابي: يريد أنها أرض مستوية، وقال عياض: المراد أنها ليس فيها علامة سكنى، ولا بناء، ولا أثر، ولا شيء من العلامات التي يهتدي بها في الطرقات كالجبل والصخرة البارزة.
فأقوال المفسرين والمحدثين تثبت أن لا جبال في القيامة، لأن الناس يحشرون على أرض مستوية كما هو نص الحديث.، ومن ناحية ثانية: فإن الآخرة ليس فيها ظن وحسبان إنما تظهر فيها الحقائق على أتم الصور وأكمل الوجوه، ومن ناحية ثالثة: اختلاف الصيغة عن سابقاتها في التعبير، فهناك قال تعالى: (ويوم يُنفخ في الصور) بالبناء للمجهول، وهنا وردت العبارة بلفظ الخطاب: (وترى الجبال) بالبناء للمعلوم، أي: وترى أيها المخاطب الناظر المشاهد للكون - الذي يرى بعينيه - الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، ولو كان الحديث عن الآخرة لجاء التعبير (وَتُرى الجبالٌ) بالبناء للمجهول على النسق السابق، أي: ترى في ذلك اليوم الجبال - برفع الجبال لا بنصبها - لأنه يصبح خبرًا لا خطابًا، فهذه المغايرة تدل على أن الأمر هنا في الدنيا، ومن ناحية أخيرة: فعند قيام الساعة تتزلزل الجبال وتتطاير، ومثل هذا لا يقال له صنع ولا يوصف بالإتقان، قالوا: فكل هذه النواحي تدل على أن الآية تتكلم عن حركة الجبال في الدنيا وفي ذلك إشارة ضمنية إلى حركات الأرض المختلفة التي تمر كما يمر السحاب.
فهذه هي أقوى استدلالاتهم على أن الآية تتكلم عن حركة الجبال في الدنيا فيكون في ذلك إشارة ضمنية الى حركات الأرض، وهذه كما ترى كلها استدلالات بعيدة واتباع للمتشابه وتقديمه على المحكم بغير دليل ولا برهان وانزال للآية والحديث في غير مواضعهما!! وهي كما قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في الآية قرينة تدلّ على بطلان ذلك القول، وكذلك أن من أنواع البيان التي تضمّنها القرآن الاستدلال على المعنى، بكونه هو الغالب في القرءان، لأن غلبته فيه تدلّ على عدم خروجه من معنى الآية، ... وإليك البرهان:
أما قولهم: الجبال تنسف في الدنيا وتتناثر قبل يوم القيامة وأن الناس يحشرون على أرض بيضاء مستوية لا جبال فيها، قلت: فهذا لقلة علمهم أن الأحوال يوم القيامة تتغير من شيء الى آخر، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عند سؤال السائل: قول الله تعالى: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا [النبأ:20] ، وفي آية النمل: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:88] كيف التوفيق بينهما؟ الجواب: وردت نصوص في اليوم الآخر مختلفة في هذا وفي غيره، حتى في بني آدم ورد أنهم يحشرون زرقًا يعني: المجرمين منهم، وورد: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران:106] كل هذا لا تعارض بينها، لأن يوم القيامة مقداره خمسون