الصفحة 21 من 30

فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ) قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ» . رواه مسلم، فبيَّن أن آيات الكتاب منها المحكَم الواضح الدلالة، وهي أمُّ الكتاب، أي: أكثره، وأساسه الذي يجب أن يُرَد المتشابه إليه ليُعرَف مراد الله منه، ومنها المتشابه الذي يحتمل أكثر من معنى، فيجب رد هذه المعاني المحتمَلة إلى المعاني الصحيحة التي دلَّت عليها الآيات المحكَمة، وألا يُضرَب كتاب الله تعالى بعضه ببعض، أو أن يؤول كلامه إلى معنى فاسد وإن كان اللفظ يحتمله، فليس في القرآن تناقض ولا اختلاف، ولا حجة فيه لضال ولا مبتدع، لأنه كما قال الله - تعالى: {لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] ، وقال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] . انتهى بتصرف من موقع مجلة البيان، والآن الى المناقشة ... ،،،،

مناقشة الاستدلال الأول: الآية من سورة النمل: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) قالوا: مرور الجبال مر السحاب كناية واضحة عن دوران الأرض حول محورها، وعن جريها حول الشمس ومع الشمس، وذلك لأن الجبال جزء من الأرض، ولأن الغلاف الغازي للأرض يتحرك فيه السحاب وسط الأرض بواسطة الجاذبية وحركته منضبطة مع حركة الأرض وكذلك حركة السحاب فيه فإذا مرت الجبال مر السحاب كان في ذلك إشارة ضمنية إلى حركات الأرض المختلفة التي تمر كما يمر السحاب.

الرد عليه: هذه الآية جاءت في معرض الحديث عن مشهد من مشاهد يوم القيامة كما يظهر ذلك جليًا من سياق الآيات، فكيف تستدلون بها على دوران الأرض؟! قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله: قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} قد قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمّنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في الآية قرينة تدلّ على بطلان ذلك القول، وذكرنا في ترجمته أيضًا أن من أنواع البيان التي تضمّنها الاستدلال على المعنى، بكونه هو الغالب في القرءان، لأن غلبته فيه، تدلّ على عدم خروجه من معنى الآية، ومثلنا لجميع ذلك أمثلة متعدّدة في هذا الكتاب المبارك، والأمران المذكوران من أنواع البيان قد اشتملت عليهما معًا آية"النمل"هذه، وإيضاح ذلك أن بعض الناس قد زعم أن قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} يدلّ على أن الجبال الآن في دار الدنيا يحسبها رائيها جامدة، أي: واقفة ساكنة غير متحركة، وهي تمرّ مر السحاب، ونحوه قول النابغة يصف جيشًا:

بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج

والنوعان المذكوران من أنواع البيان، يبينان عدم صحة هذا القول:

أمّا الأول منهما: وهو وجود القرينة الدالَّة على عدم صحته، فهو أن قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ} معطوف على قوله: {فَفَزِعَ} ، وذلك المعطوف عليه مرتّب بالفاء على قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ} أي: ويوم ينفخ في الصور، فيفزع من في السماوات وترى الجبال، فدلّت هذه القرينة القرءانية الواضحة على أن مرّ الجبال مرّ السحاب كائن يوم ينفخ في الصور، لا الآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت