يقول الله سبحانه وتعالى في وصف حركات كل من الأرض والشمس والقمر: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) ، وقال: لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) يس. فالليل والنهار ظرفا زمان لا بد لهما من مكان، والمكان الذي يظهران فيه هو الأرض، ولولا كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس لما ظهر ليل ولا نهار، ولا تبادل كل منهما نصفا سطح الأرض، والدليل على ذلك أن الآيات في هذا المعنى تأتي دوما في صيغة الجمع (كل في فلك يسبحون) ، ولو كان المقصود سبح كل من الشمس والقمر فحسب، لجاء التعبير بالتثنية (يسبحان) . كما أن السبح لا يكون إلا في الأجسام المادية التي أقل منها، والسبح في اللغة هو الانتقال السريع للجسم بحركة ذاتية فيه من مثل حركات كل من الأرض والشمس والقمر في جري كل منهما في مداره المحدد له، فسبح كل من الليل والنهار في هاتين الآيتين إشارة ضمنية رقيقة إلى جري الأرض في مدارها حول الشمس وإلى تكورها وحول محورها أمام الشمس. انتهى نقلًا من الموقع، فهم قد اقتطعوا الآية من النسق العام للآيات، فالآية جاءت في السورة هكذا: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) ، فسياق الآيات يدل على أن قوله تعالى: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) يعود الى اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ولا يعود الى الأرض ولو عاد الى الأرض لعاد الى السماء وهي أقرب مذكور قبل الأرض وهم لا يقولون به، فكيف يعيدون المعنى الى الأرض وهي أبعد من السماء ويحملون الآية ما لا تحتمل، ثم نجد أن الله تعالى بعد أن قال: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) قال بعدها: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) أي أن هذه المذكوات هي آيات السماء، قال القرطبي رحمه الله في تفسيره: بين أن المشركين غفلوا عن النظر في السموات وآياتها، من ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، وأفلاكها ورياحها وسحابها، وما فيها من قدرة الله تعالى، إذ لو نظروا واعتبروا لعلموا أن لها صانعا قادرًا واحدًا فيستحيل أن يكون له شريك، قوله تعالى: (وهو الذى خلق الليل والنهار) ذكرهم نعمة أخرى: جعل لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليتصرفوا فيه لمعايشهم، (الشمس والقمر) أي وجعل الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، لتعلم الشهور والسنون والحساب، كما تقدم في"سبحان"بيانه. (كل) يعني من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار (في فلك يسبحون) أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء. انتهى. قد يقول قائل منهم: النجوم والكواكب لم تذكر في الآية، فأقول له: بل ذكرت بقوله تعالى: سقفًا محفوظًا، فالسماء حفظت بالنجوم والكواكب بنص القرآن، وأما قولهم: ولو كان المقصود سبح كل من الشمس والقمر فحسب، لجاء التعبير بالتثنية (يسبحان) ، قلت: بيّن القرطبي آنفًا أن"كلٌ"تعود الى الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار، فإن أبوا تفسير وتوضيح القرطبي، فيرد عليهم الشوكاني في تفسيره لآية يس: لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) قال: التنوين في"كلٌ"عوض عن المضاف إليه: أي وكل واحد منهما. انتهى، وإن أبوا تفسير وتوضيح الشوكاني - أيضًا - فترد عليهم آية سورة الرعد حيث يقول الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) فإنه لم يأت ذكر للأرض إلا بعد ذلك، والقرآن يفسر بعضه بعضًا - كما بيّن علماء التفسير - فالخلاصة: سياق الآيات يدل على أن قوله تعالى: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) يعود الى