). فإن ابن أبيّ لما انخزل عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد انخزل معه ثلث الناس، قيل: كانوا ثلاثمائة، وهؤلاء لم يكونوا قبل ذلك كلهم منافقين في الباطن؛ إذ لم يكن لهم داع إلى النفاق ...
وفي الجملة: ففي الأخبار عمّن نافق بعد إيمانه ويطول ذكره" [1] ."
عظم جريمة الردّة:
إنّ أهم مقصد جاء الإسلام بتحقيقه في الناس هو تحقيق توحيد الله والإيمان به ونفي الشرك والكفر والتحذير منهما، وقد جاءت أيضًا بحفظه في نفوس من اعتنقه وذلك أن العالَم لا يستقيم بدونها، فضياعها مهلك للبشر، وإذا تأمل الإنسان حال البشريّة عند بعثة المصطفى عليه الصلاة والسلام فسيجد أنّه بعث على فترةٍ من الرسل في زمن تخبطت فيه البشريّة كما وصفوا في الحديث القدسي: (إنّي خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنّهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم [2] عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي مالم أنزل به سلطانًا وإنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلاّ بقايا من أهل الكتاب .. ) [3] .
وهؤلاء البقايا مات أكثرهم قبل مبعثه [4] ، فصار الناس في جاهليّة جهلاء من مقالات مبدّلة أو منسوخة أو فاسدة قد اشتبهت عليهم الأمور مع كثرة الاختلاف والاضطراب.
(فهدى الله الناس ببركة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من البينات والهدى، هدايةً جلّت عن وصف الواصفين وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته
(1) مجموع الفتاوى (7/ 279) .
(2) اجتالتهم: أي استخوهم فذهبوا بهم، وأزالوهم عما كانوا عليه. شرح النووي ص 1666.
(3) صحيح مسلم (2765) .
(4) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم ص 53.