الصفحة 6 من 11

إن قدر لي رزق فإنه يأتيني ، تجده يسعى بأسباب الرزق مع أن الرزق نفسه مقرون بالعمل ، كما ثبت عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه:"إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد". [15]

هذا الرزق أيضًا مكتوب كما أن العمل من صالح أو سيئ مكتوب ، فكذلك الرزق فما بالك أنت تذهب يمينًا وشمالًا وتجوب الأرض والفيافي لطلب الرزق ولا تعمل عملًا صالحًا لطلب رزق الآخرة بدار النعيم ، إن البابين واحد وليس بينهما فرق ، فكما أنك تسعى لرزقك ، وتسعى لحياتك وامتداد أجلك ، إذا مرضت بمرض ذهبت إلى أقطار الدنيا تريد الطبيب الذي يداوي مرضك ومع ذلك فإن لك ما قدر من الأجل لا يزيد ولا ينقص، لست تصمت على هذا وتقول: سأبقى في بيتي مريضًا طريحًا ، وإن قدر الله لي أن يمتد الأجل امتد ، نجدك تسعى بكل ما تستطيع من قوة وبحث لتبحث عن الطبيب الذي ترى أنه أقرب الناس إلى أن يقدر الله الشفاء على يديه ، إذًا لماذا لا يكون طريقك في عمل الآخرة وفي العمل الصالح كطريقك فيما تعمل للدنيا ، وقد سبق أن قلنا: إن القضاء سر مكتوم لا يمكن أن تعلم عنه ، فأنت الآن بين طريقين:

طريق يؤدي بك إلى الفوز والسلامة .

طريق يؤدي بك إلى الهلاك والعطب ، وأنت الآن واقف بينهما ومخير ليس أمامك من يمنعك من هذا الطريق اليمين ، ولا من هذا الطريق الشمال ، وإذا شئت ذهبت إلى هذا ، وإذا شئت ذهبت إلى هذا ، فما بالك تسلك الطريق الشمال ثم تقول: إنه قد قدر عليّ .

أفلا يليق بك أن تسلك طريق اليمين وتقول: إنه قد قدّر لي ، لو أنك أردت السفر إلى الرياض ، وكان أمامك طريقان ، أحدهما معبد قصير ، والثاني غير معبد وطويل لوجدنا أنك تختار المعبد القصير المستقيم ، ولا تذهب إلى الطريق الذي ليس بمعبد وليس بمستقيم ، هذا الطريق الحسي إذن، فالطريق المعنوي موازن له ولا يختلف عنه أبدًا ، ولكن النفوس وأهواؤها هي التي تتحكم في العقل وتغلب على العقل ، والمؤمن ينبغي أن يكون عقله غالبًا على هواه ، وهو إذا حكم عقله فالعقل بالمعنى الصحيح يعقل صاحبه عما يضره ويدخله فيما ينفعه ويسره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت