الصفحة 7 من 11

بعد هذه المقدمة التي تبين لنا أن الإنسان يسير في عمله الاختياري سيرًا اختياريًا ليس إجباريًا ولا اضطراريًا ، وأنه كما يسير لعمل دنياه سيرًا اختياريًا، وهو إن شاء جعل هذه السلعة تجارته أو السلعة الأخرى أو الثالثة أو الرابعة ، فكذلك أيضًا هو في سيره إلى الآخرة يسير سيرًا اختياريًا ، بل إن طريق الآخرة أبين بكثير من طريق الدنيا ، لأن الذي بيّن طريق الآخرة هو الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فلا بد أن تكون طرق الآخرة أكثر بيانًا وأجلى وضوحًا من طرق الدنيا ، ومع ذلك فإن الإنسان يسير في طرق الدنيا التي ليس ضامنًا لنتائجها.. ويدع طريق الآخرة التي نتائجها مضمونة ؛ لأنها ثابتة بوعد الله ، والله تبارك وتعالى لا يخلف الميعاد.

بعد هذه المقدمة نقول:

إن أهل السنة والجماعة قرروا هذا وجعلوه عقيدتهم ومذهبهم.

إن الإنسان يفعل باختيار وإنه يسير كما يريد ، ولكن إرادته واختياره تابعة لإرادة الله ومشيئته ، ثم يؤمن أهل السنة والجماعة بأن مشيئته تعالى تابعة لحكمته .... ؛ لأن من أسماء الله تعالى: [الحكيم] .

والحكيم هو: الحاكم المحكم الذي يحكم الأشياء كونًا وشرعًا ويحكمها عملًا وصنعًا ، والله تعالى بحكمته يقدر الهداية لمن أرادها ، لمن يعلم سبحانه وتعالى أنه يريد الحق وأن قلبه يريد الاستقامة، ويقدر الضلالة لمن لم يكن كذلك ، لمن إذا عرض عليه الإسلام يضيق صدره كأنما يصعد في السماء ، فإن حكمة الله تبارك وتعالى تأبى أن يكون هذا من المهتدين ، إلا أن يجدد الله له عزمًا ويقلب إرادته إلى إرادة أخرى ، فالله تعالى على كل شيء قدير ، ولكن حكمة الله تأبى إلا أن تكون الأسباب مربوطة بها مسبباتها.

يقول أهل السنة والجماعة: إن قضاء الله وقدره أربع مراتب:

المرتبة الأولى: مرتبة العلم:

وهى أن يؤمن الإنسان إيمانًا جازمًا بأن الله تبارك وتعالى بكل شيء عليم ، وأنه يعلم ما في السموات وما في الأرض جملة وتفصيلًا ، سواء كان ذلك من فعله أو من فعل المخلوقات ، وأنه لا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء.

وأما المرتبة الثانية: فهي مرتبة الكتابة:

وهي أن الله تبارك وتعالى كتب عنده في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء ، وقد جمع الله بين هاتين المرتبتين في قوله: [أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ] . [16]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت