قُلتُ: و قد دأب مُعظم الباحثين الغربيِّين ، و كثيرون غيرهم على التركيز على الدافع المادِّي و اعتباره السبب الرئيس - و رُبَّما الوحيد - لانتشار الإسلام في البوسنة (1) .
و اعتمدت الكنيسة الكاثوليكيَّة هذا الرأي ، و أكَّدته حتَّى شاع على ألسنة قساوستها ، و منهم أّسْتَيفَان بوسَدُرسكي ، الذي بعث إلى البابا سنة 926هـ/1520م برسالةٍ يقول فيها: (( إنَّ العثمانيِّين خلال خمسين سنةً قد نجحوا في جذب سُكان هذه المنطقة ، حتَّى إنَّ كثيرين منهم يتركون دينهم و يدخلون الإسلام . إنَّهم يعيِّنون في الحصون المفتوحة القُواد الذين يجذبون السكان النصارى إلى جانبهم ) ) (2) .
و هذه بلا ريب مزاعم واهية تنقُضها الحقائق التاريخيَّة الماثلة للعيان ، و منها أنَّ حُكم الأتراك لم يكُن مُقتصرًا على البوسنة ، و لكنَّه شمل بلدانًا كثيرةً في منطقة البلقان و غيرها ، و لا شك في أنَّ العثمانيِّين قد حكموا بلادًا مجاورة للبوسنة مثل بلغاريا ، و كرواتيا و الجبل الأسود و صربيا ، و على الرغم من وحدة الحكم عقيدةً و منهجًا ، و احتمال كون المصلحة المزعومة قائمةً على قدم المُساواة ، نجدُ إقبال البشانقة على الإسلام يفوق إقبال الآخرين بمئات المرَّات .
(1) ... انظر: بول كولز: العثمانيُّون في أوروبا ، ص: 118 - 119 حيث يقول: ( كان التحوُّل إلى الإسلام مرتبطًا بالرغبة في تحقيق وضعيَّة اجتماعيَّة أو مزايا اقتصاديَّة … و كانت تلك هي الدوافع الحقيقيَّة التي تؤتي أُكُلها أكثر من أيِّ دعوات مخلصة للتحول إلى الإسلام كان يقوم عليها العُثمانيَون ) .
و: دائرة المعارف الإسلاميَّة ، و فيها: ( اعتنقت الطبقات الغنيَّة المثقفة من السكان و أغلب ملاَّك الأراضي الإسلام و أظهروا غيرةً عظيمةً على الدين الإسلامي ، و خاصَّةً لأنَّه حافظ على موروث حقوقهم ) 8/354.
(2) ... نياز شُكريتش: انتشار الإسلام في البوسنة ، ص: 133 .