مباشرةً ، و لا زالت هذه الخيوط تترابط و تتشابك حتى أفضت إلى ظلمة مدلهمة تعيشها بعض الشعوب الإسلامية اليوم ، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.
روى البخاري في صحيحه عن أم الدرداء رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ أبو الدرداء مغضبًا ، فقلت له: ما لك ؟ فقال: (( و الله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا أنهم يصلون جميعًا ) ).
و سأله رجل فقال: رحمك الله ! لو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا هل كان ينكر شيئًا مما نحن فيه ؟ فغضب ، و اشتد غضبه ، ثم قال: (( و هل كان يعرف شيئًا مما أنتم عليه ) ).
و تأمل خاتمة الحفاظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله هذا الحديث ؛ فكان من فتح الله عليه قوله في ( فتح الباري ) : كأن ذلك صدر من أبي الدرداء في أواخر عمره و كان ذلك في أواخر خلافة عثمان ، فياليت شعري ، إذا كان ذلك العصر الفاضل بالصفة المذكورة عند أبي الدرداء ، فكيف بمن جاء بعدهم من الطبقات إلى هذا الزمان ؟ . اهـ .
و قد كان صَحبُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يبكون حنينًا إلى السنة ، و هي فيهم أعز ما تكون.
قال الإمام الزهري ، كما في الصحيح: دخلت على أنس بدمشق و هو يبكي ، فقلت له: ما يبكيك ؟ فقال: (( ما أعرف شيئًا مما أدركت إلا هذه الصلاة ، و هذه الصلاة قد ضيعت ) ).
و روى الإمام الطرطوشي عن المبارك بن فضالة أنه قال: صلى الحسن
الجمعة ، ثم جلس فبكى ، فقيل له: ما يبكيك يا أبا سعيد ؟ فقال: (( تلومونني على البكاء ، و لو أن رجلًا من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم ، ما عرف شيئًا مما كانوا عليه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، مما أنتم عليه ، إلا قبلتكم هذه ) ).
هذا كله في عهد الصحابة الكرام ، و هم أنقى الناس سريرةً ، و أحفظهم على الشرعة و الشعيرة .