الصفحة 43 من 1012

أحدهما: أن الضمير في قوله ( له ) يرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المذكور في الآيات السابقة ، و على هذا القول فإن حفظه عليه الصلاة و السلام يقتضي حفظ سنته التي أُمر بتبليغها ، إذ لا اعتبار في هذه الحالة لحفظ شخصه عليه الصلاة و السلام و ذهاب

سنته .

والثاني: أن الضمير في الآية يعود على القرآن الكريم فقالوا: إن الحفظ المذكور يختص به القرآن دون السنة .

وعلى هذا المذهب يدخل حفظ السنة ضمنًا في حفظ القرآن الكريم ؛ لأن (( حفظ القرآن متوقف على حفظها ، وصونه مستلزم لصونها بما أنها: حصنه الحصين ، ودرعه المتين ، وحارسه الأمين ، وشارحه المبين ؛ تفصل مجمله ، و تفسر مشكله ، وتوضح مبهمه ، وتقيد مطلقه ، و تبسط مختصره ، وتدفع عنه عبث العابثين ، و لهو اللاهين ، وتأويلهم إياه على حسب أهوائهم و أغراضهم ، ووفق ما يملى عليهم من رؤساهم وشياطينهم ، فحفظها من أسباب حفظه ، وصيانتها صيانة له ) ) (1) .

و التاريخ خير شاهد على حفظ السنة ؛ فقد شهد رحلة العلماء في طلب الحديث (2) ، و تقعيدهم القواعد لتمييز صحيحه من سقيمه ، و تحريهم الدقة في روايته و تدوينه ، حتى أوصلوه إلينا غضًا طريًا كما نطق به نبينا- صلى الله عليه وسلم - .

و لا يعني هذا أن بوسع فرد من الأمة أن يحيط بسنة النبي- صلى الله عليه وسلم - فالخلق من سيماهم القصور ، و لا كمال إلا للودود الغفور سبحانه ، لكن علم أهل الحديث و حفاظ السنة إذا ضم بعضه إلى بعض في أي عصر من العصور فإنه سيأتي بلا ريب على جميع السنن التي تقوم بها الحجة على الخلق ، كما قرر ذلك الإمام الشافعي رحمه الله في ( رسالته ) في معرض كلامه عن سعة لسان العرب حيث قال:

(1) ... العمري: بحوث في السنة المشرفة ، ص: 58 .

(2) ... سيأتي الحديث عن الرحلة في طلب العلم ، وذكر بعض أخبار سلف هذه الأمة في ذلك ، في أول المبحث الثاني من الباب الثاني إن شاء الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت