الصفحة 44 من 1012

(( و لا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي ، و لكنه لا يذهب منه شيء على عامتها ، حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه ، و العلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه: لا نعلم رجلًا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن ، و إذا فرق علم كل واحد منهم: ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجودًا عند غيره ، و هم في العلم طبقات: منهم الجامع لأكثرها ، وإن ذهب عليه بعضها ، و منهم الجامع لأقل مما جمع غيره . و ليس قليل ما ذهب من السنن على من جمع أكثرها دليلًا على أن يطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم ، بل يطلب عند نظرائه ماذهب عليه ، حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله، بأبي هو و أمي ، فيتفرد جملة العلماء بجمعها ، و هم درجات فيما وعوا منها، و هكذا لسان العرب عند خاصتها و عامتها ... ) ) (1) .

فالسنة محفوظة إذن لا يعرض لها الضياع ، و لا يزاد فيها ، و لا ينقص منها ما دام في أهل الحق عين تطرف .

و أختم كلامي عن حفظ السنة بما يحسن أن يختم به مثل هذا الموضوع من كلام ابن حزم ، و هو قوله:

(( و الذكر محفوظ بنصّ القرآن . فصح بذلك أن كلامه - صلى الله عليه وسلم - كله محفوظ بحفظ الله عز و جل ، مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء إذ ما حفظه الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء ، فهو منقول إلينا كله ، فلله الحجة علينا أبدًا ، قال تعالى: { و ما اختلفتم فيه من شيءٍ فحكمه إلى الله } [الشورى: 10] والله تعالى يردنا إلى كلام نبيه - صلى الله عليه وسلم - فلم يبق لمسلم يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن و الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ) (2) .

المبحث الرابع

أقسام السنة

(1) ... الشافعي: الرسالة ، ص: 42 ـ 44 ، المسائل 138- 143 .

(2) ... ابن حزم: الإحكام 1 / 96 - 97 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت