و في مدينة بليفليا (1) رأيت منارة قائمة و ليس إلى جانبها مسجد ، فسألت عنه و كان الجواب أنه أحد سبعة مساجد هدمت في تلك المدينة ، و تركت تلك المنارة لتذكر المسلمين بأنه لا مكان لهم في مجتمع يراد له أن يكون صربيًا بالكامل ، و تظلَّ شاهدًا على جرائم الصرب و جراح المسلمين ، و تحذيرًا للمسلمين من مجرد التفكير في استعادة هويتهم و العودة إلى دينهم .
و لإيصال هذه الرسالة القاسية إلى المسلمين ، كانت عمليات الهدم تتم بصور رهيبة ، قلما تخلوا من إراقة الدماء ، و من أمثلة ذلك الكثيرة ما حدث عام 1364هـ/1945م عندما أعدموا شنقًا إمام مسجد زغرب الشيخ عصمت مفتيتش ، أمام باب المسجد الذي سويت مآذنه بالأرض ، و أحيل إلى متحفٍ للثورة الشيوعية (2) .
و في شهادة على ما آلت إليه بعض مساجد المنطقة يقول الشيخ الخانجي رحمه الله: (و رأيت بعيني رأسي في مدينة سلانيك ، مساجد تهدم ، و أخرى توضع عليها النواقيس و الصلبان ، فتصير بيوت كفرٍ و قد كانت بيوت إيمان) (3) .
و في الحرب الأخيرة أقدم الصرب على هدم أربعةٍ و ثلاثين و خمسمئة مسجد أكثر من نصفها في المناطق التابعة لصرب البوسنة اليوم ، بموجب اتفاقيَّة دايتون كبانيالوكا و دوبوي ، ممَّا يحيل إعادة ترميما أو بناء بديلٍ عنها ، لا سيَّما و أنّ هذه المناطق يحظر على المسلمين ، و إن كانوا يشكلون غالبيَّة سكانها في الأصل دخولها ، أو استعادة شيءٍ من أملاكهم فيها .
(1) ... مدينة بليفليا تقع في إقليم السنجق ، و تتبع حاليًا جمهورية الجبل الأسود الصربية ، و قد كان عامة أهلها من المسلمين قبل قرنٍ من الزمان ، و لكنهم لا يبلغون ثلث سكانها اليوم ، و الذين يشهدون الجمعة في مسجدها الذي لا يزال مفتوحًا لا يبلغون المئة . فتأمل . ( الباحث ) .
(2) محمد قاروط: المسلمون في يوغسلافيا ، ص: 155 ، 156 .
(3) ... محمد بن محمد الخانجي: الجوهر الأسنى في تراجم علماء و شعراء بوسنة ، ص: 8 .