و كأنَّهم يرومون بذلك انتزاع الدين بانتزاع هيبة العلماء من النفوس ، فهذا إمام قرية براتوناتس ، يحضره الصرب ، بعد أن جمعوا رجال القرية حوله في صفوف و يطلبون منه الوقوف أمام صفوف الناس ، و الإشارة بعلامة الصرب المميزة ( شارة التثليث بالإبهام و السبَّابة و الوسطى ) ، فيرفض الرجل رفضًا قاطعًا ، لأنَّ هذا يعني خروجه من الإسلام ، مما يعرِّضه إلى الضرب حتى يفقد الوعي ، و عندما يستعيد وعيه تباشره مدية أحد الصرب ، فيذبح ، و يظلُّ يتخبَّط في دمه أمام أعين قومه ، لا يردُّه ذلك عن دينه ، رغم ما قد يرخص له فيه إذا كان قلبه مطمئنًَّا بالإسلام ، و لكنها عزَّة الإسلام (1) .
تميُّزهم عن النصارى و الشيوعيين في العادات و جوانب الحياة
المختلفة:
و لا شك أن الإسلام قد أثر في البشانقة أعظم تأثير ، فميَّزهم عن جيرانهم النصارى ، و نأى بهم عن التشبُّه المذموم بأعدائهم .
و لمَّا كان واجب المسلم الملتزم بدينه ، المعتز بانتسابه إليه ، أن يتميَّز عن غيره من الكافرين و المارقين ، و أن ينأى بنفسه عن تقليد و مجاراة الآخرين ، فقد حرص علماء البوسنة و دُعاتها الأوائل على الدعوة إلى تميز المسلم في شخصيته و سلوكه ، و حتى في عاداته و نمط معيشته ، الأمر الذي نلحظه في حياة مسلمي البوسنة و الهرسك بجلاء ، حيث يحتفظون بمظاهر بسيطة في حياتهم ، مع أنَّهم لا يجدون لها تعليلًا ، أو تبريرًا سوى أنَّ فيها مخالفة للكفار ، و من أعرافهم هذه مثلًا:
أوَّلًا: الإشارة بالسبابة حين الاضطرار إلى التحيَّة باليد ، مقرونة بالتلفظ بألفاظ السلام المشروعة باللغة العربية ، و قد تفشَّت هذه العادة بينهم عند اندلاع الحرب الأخيرة في بلادهم ، مخالفة للنصارى و الشيوعيين .
(1) ... ذكر هذه القصَّة الكاتب شعبان عبد الرحمن ، في صحيفة ( الشعب ) المصريَّة بتاريخ 23/6/1992 م ، و الأخبار من هذا القبيل كثيرة معروفة .