والتعليق عليها، وليس فيها من جديد يدعو إلى الاستفتاء. ومع هذا فلو كان الغرض الحقيقي من حل المجلس هو استفتاء الشعب، كما قيل، لتحتم على الحكومة قبل كل شيء أن تعلن تفاصيل المشاريع التي يراد الاستفتاء عنها، وتنشرها بصورة واضحة في نفس الوقت الذي حلت فيه المجلس النيابي، ليتوفر الشرط الأساسي الذي لابد منه للاستفتاء، كما هو مألوف دستوريًا في كافة الدول ذات النظام الديمقراطي البرلماني، وكما عمل بذلك فخامة السيد نوري السعيد نفسه قبل ربع قرن عندما أعلن نصوص المعاهدة العراقية - البريطانية سنة 1930م قبل الانتخابات النيابية بمدة ليست بالقصيرة، فجرت الانتخابات على ضوء نصوصها الصريحة، فما سبب تراجع فخامته عن هذه القاعدة الآن وفي هذا الوقت الذي نما فيه الوعي الشعبي نموًا كبيرًا، وتطور فيه النظام الديمقراطي تطورًا ملحوظًا؟
ان حزبنا يعتقد أن السبب الأساسي لحل المجلس النيابي ليس هو استفتاء الشعب في الأمور التي تضمنها كتاب فخامة السيد نوري السعيد والتي لا تحتاج إلى الاستفتاء إطلاقًا وإنما السبب الحقيق لهذا الحل هو التخلص من المعارضة التي كانت موجودة في هذا المجلس ليس إلا ولو أعلن فخامة السيد نوري السعيد هذه الحقيقة لكان صريحًا وواقعيًا ولما تردد في تصديقه أي فرد من أبناء الشعب العراقي.
إن حزبنا غير آسف على حل المجلس الذي رافق انتخابه الكثير من التزوير والتزييف والمخالفات القانونية المفضوحة والإجراءات التعسفية الشاذة مما سجل بعضه بالمذكرات الاحتجاجية العديدة التي رفعها إلى المسؤولين في حينه والتي كان عازمًا على فضحها وتسجيلها في محاضر المجلس الرسمية. ولو أن هذا المجلس، غير المأسوف على حله، قد حل لهذه الأسباب، وتولت الإشراف على الانتخابات النيابية الجديدة وزارة محايدة حقًا تقدر واجباتها، وتشعر بمسؤولياتها إزاء المواطنين والقانون الأساسي الذي ضمن حقهم في انتخاب من يريدون، لرحبنا بهذا الحل كل الترحيب، ولاعتبرناه عملًا وطنيًا سليمًا ومشكورًا يدل على تحوّل في ذهنية المسؤولين، واتجاههم اتجاهًا صحيحًا لتمكين المواطنين من التمتع بحقوقهم الدستورية. غير أن الذي يبدو مع مزيد الأسف أن الذهنية التي عرضت البلاد إلى كثير من المتاعب والأزمات بحيلولتها دون تمتع المواطنين بحقوقهم الانتخابية، لا زالت باقية كما هي، ماضية على سيرتها الأولى، غير معتبرة بالتجارب والأحداث التي مرت بها البلاد في السنوات الأخيرة.
فلو إن هذه الذهنية قد تزحزحت قليلًا عما كانت عليه، لما جاءت إلى الحكم وزارة تشرف على شؤون انتخابات لا يشك فرد عراقي واحد في عدم حيادها، وفي ميولها واتجاهاتها الواضحة المعروفة، بحيث ستوجه الانتخابات الواجهة التي تريدها، وقد مهدت لذلك بالفعل في تعيين الهيئات التفتيشية، وغيرها من الإجراءات للسيطرة على الانتخابات سيطرة تامة.
إن التجربتين الانتخابيتين اللتين مرت فيهما البلاد أخيرًا، واللتين أشرفت فيهما على شؤون الانتخابات حكومتان كان من المفروض فيهما إنهما حياديتان، وما رافق ذلك من مخالفات قانونية صريحة، ومن مداخلات سافرة ومفضوحة، وتهديد وتزوير لإرادة أبناء الشعب، والحيلولة دونهم ودون التمتع بحقوقهم الانتخابية، كل ذلك لم يدع مع مزيد الأسف مجالًا لتصديق ما وعد به فخامة السيد نوري السعيد، من أن هذه الانتخابات ستجري في جو تسوده الحرية التامة، يمارس فيه المواطنون أحزابًا وأفرادًا حقوقهم الكاملة، وفق أحكام القانون، خاصة وفخامته هو الذي حل المجلس النيابي استبعادًا للمعارضة التي استطاعت ان تشق طريقها إليه، رغم الصعوبات والعراقيل التي وضعت في طريقها.