ولكن قرأَ أكثرَ المتون، والحواشي، والشُّروح [على] (1) حضرةِ عمِّهِ الممدوح، وفرغَ من التَّحصيلِ وعمرُهُ ستَّ عشرَةَ سنة، ثمَّ جلسَ مجلسَ العبادة، وفاضَ منهُ كثيرٌ من أهلِ الاستفادة، وكانَ ذكيًَّا تقيًَّا، ذا الطَّبعِ السَّليم، والفهمِ المستقيم، واقفِ الأسرارِ الألهيَّة، مطَّلعِ الرُّموزِ النَّبويَّة، فكانَ علماءُ عصرِهِ يعتنونَ بقولِه، وفضلاءُ دهرِهِ يقتدونَ بفعلِه، صَرَفَ عُمُرَهُ في التَّدريسِ والتَّصنيف، واشتغلَ تمامَ دهرِهِ في النُّصحِ والتَّأليف.
تبحَّرَ في الفقه؛ ففازَ بالدَّرجةِ القصوى، ومن ثمَّ كانَ مرجعَ أربابِ الفَتْوى (2)
(1) سقطت من الأصل.
(2) من فتاواه رحمه الله ما ورد بشأن الصلاة في العمامة:
قال ابنه عبد الحي في (( نفع المفتي ) ) (37-38) .: وقد سُئِلْتُ غير مرَّةٍ عن الصَّلاةِ بغير عِمَامَة، هل تُكْرَهُ كما هو المشهورُ بين العوامّ، فتجسَّسْتُهُ في كتب الفقه، فلم أجدْ سوى قولهم: المستحبُّ أن يُصِلِّيَ في ثلاثةِ أثواب: إزار، وقميص، وعِمامة، وهو لا يَدُلُّ على كراهةِ الصِّحَةِ بدونِها، كما حَرَّرَهُ بعضُ علماءِ عصرِنا، ظانًَّا أنَّ تركَ المستحبِّ مكروه؛ وذلك لأنه قد صرَّحَ في (( البحر الرَّائق ) ) (2: 176) وغيرِه: إنَّ تركَ المستحبِّ لا تلزمُ منه الكراهةُ ما لم يَقُمْ دليلٌ خارجيٌّ عليه ( ) .
وقد يُسْتَدَلُّ على الكراهةِ فيما نحنُ فيه بأنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - واظبَ على الصَّلاة مع العِمامة، فإنه يُعْلَمُ من الأخبار أنه كان يضعُ العِمامةَ على رأسِهِ دائمًا لاسيما في الصَّلاة، نعم؛ كان يضعُها بين يديه في بيته، والمواظبةُ دليلُ السُنِّيَة، وخلافُ السنة مكروه.
وفيه: أنَّ المواظبةَ النَّبويَّةَ التَّي هي دليلُ السُنِّيَة، إنِّما هي المواظبةُ في باب العباداتِ دونَ العادات. كما في شرحِ الوقاية، وغيرِه.
ومواظبَتُهُ على العِمَامَةِ من قبيلِ الثَّاني، فلا يكونُ تَرْكُهُ مكروهًا، نعم؛ يكونُ الأَولى الاقتداءُ به، وأفادَ الوالدُ العلاَّمُ في بعض تحريراتِه: تُكْرَهُ الصَّلاةُ بدونِها في البلادِ التي عادةُ سكَّانها أنهم لا يذهبونَ إلى الكبراءِ بدون العِمامة، بل ولا يخرجونَ من بيوتِهم إلا مُتَعَمِّمين. وأما في البلادِ التي لا يعتادونَ فيها ذلك، فلا.
وقد اشتهرَ بين العوامِّ أنَّ الإمامَ إن كان غير مُتَّعمِّمٍ والمقتدونَ مُتَعَمِّمينَ فَصلاتُهُم مكروهة، وهذا أيضًا زُخْرُفٌ من القولِ لا دليلَ عليه، فاحفظْ. وينظر: (( نفع المفتي ) ) (ص36) .