وأتوا رسول الله ×؛ وهم يبيِّتون في أنفسهم أمرًا غير صالح، ففطن رسول الله × إلى سوءِ مكرهم، فسألهم ماذا يجدون في توراتهم؛ لمثل أمر صاحبهم هذا؟ -وكان في المجلس بعضٌ مِمَّن آمن من يهود-، فأعلموه ما في التّوراة من عقوبةٍ لمثله، فأمر به فقتل بالتّوراة، ولم يصيبوا من مكرهم إلا فضحًا، لما قَنّعوه به، فقال ابن عبَّاس -رضي الله عنهما-:"كفر دون كفر" (26) .
والناظر المتأمِّل في هذه الكلمة يعلم أن مرادَ ابن عبّاس -رضي الله عنهما- بعيدٌ عن المعنى الذي ذهب إليه المتأولوها على ما ذاع وانتشر، فيكون المعنى -والله أعلم-؛ إن صحت نسبة هذه المقولة لابن عبَّاس -رضي الله عنهما-:
أنهم كفروا -بصنيعهم بصاحبهم هذا- كفرين اثنين: كفرًا أدنى، وكفرًا أعلى، والكفر الأعلى -وهو كفرهم بمحمد × وما أنزل الله عليه من كتاب- لا يساويه كفرهم بإنكارهم حكم التوراة -وهو القتل للزاني-، بل لا يُعدُّ كفرًا إلا من جهة أنه جحودٌ من حيث إخفاؤهم ذلك الحدَّ، وكان حقًا عليهم أن يتحاكموا فيه إلى التوراة، إذ قد كفروا بما أنزل على محمد × فكفْرهم بما أنزل الله على نبيِّه، وإعلام الله عباده أنه لا يَقْبل منهم دينًا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= إذًا: فالأقوى والأسدُّ، أن يكون المعنى المراد للفاءِ، هو السببية، وهذا المعنى لا يُشترَط تقدُّم زمانِ الفعل أو تأخرُّه عن الفاء السَّببية، ولا قصرُ زمان قولها مقرونة بالسبب بعد وقوعه ولا طوله.
لذا؛ فإن الفاء في قولي: (فقال ابن عباس رضي الله عنهما) ، من الحتم أن تكون للسببية، وما ينبغي أن يكون مثل هذا خافيًا على من دون أولئك، الذين وهبوا أنفسهم حقًا من أنفسهم (أنفسِهِم) لم يأذنوا به لغيرهم ممن هم دونهم، ولا أدري ما الذي يريدون؟