الصفحة 103 من 194

* خامسًا: ثم نحن لسنا في حاجةٍ إلى إحداث مثل هذا المصطلح -أي: كفرًا دون كفر-، وعندنا عنه مندوحة بما عرف من لغة العرب التي لا يُخْتلف عليها، فقد عرف العرب ما يعرف بالتشبيه، والتشبيه: يكون وجه الشبه فيه حينًا في المشبه أظهر منه في المشبه، وحينًا يكون التساوي، فمن حلف بغير الله -سبحانه- وهو يعلم النهي عنه في مثل قوله ×:"من حلف بغير الله فقد أشرك"، فأحسب أنّه لا يخفى على مثل هذا الحالف، أنّه لا يبلغ به الأمر أن يكون معظِّمًا المحلوف به حين يحلف -تعظيم الله سبحانه- إذًا؛ فهو بحلفه -وهو لا يعظّم المحلوف به- إنما يُشبه بحلفه بغير الله المشركين الذين يحلفون بغير الله، ولكن أين هذا من ذاك؟! فالمشركون إذ يحلفون بآلهتهم وأصنامهم هم مشركون أولًا وآخرًا.

أما المؤمن الذي يحلف بغير الله؛ فهو مؤمن، ولا يخرجه من إيمانه حَلِفه هذا، إلا ما يكون من تعظيم المحلوف به تعظيمه الله، وليس لهذا -قطُّ- مورد على قلب من يقول: لا إله إلا الله وهكذا كل ما يكون من مثل هذا أو يشابهه.

2-مسألة الإرجاء

الإرجاء في اللغة معناه: التأخير، قال صاحب"القاموس": يقال: أرجأ الأمر: أخَّره، والنّاقة: دنا نتاجها، والصائد: لم يصب شيئًا، وقوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله} مؤخرون حتى ينزل الله فيهم ما يريد، ومنه سميّت المرجئة، وبهذا المعنى اللغوي نَعْرف لماذا سميِّت المرجئَة مرجئةً؟ أي: لأنها أرجأت العصاة بمعاصيهم إلى أمر الله يوم القيامة، وجعلت التصديق فيهم -أي: مجرَّد الإيمان القلبي- من غير عمل يقتضيه هذا الإيمان كافيًا في نجاتهم يوم القيامة من عذاب النار، فهم مُرجوْن لأمر الله، إما يعذبهم بمعصيتهم بتركهم الطاعة، واكتفائهم بالإيمان القلبي وحده، وإمّا ينجيهم من العذاب برحمته، هذا هو معنى الإرجاء الذي لا خلاف عليه (29) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت