وليس من شك في أن مثل هذا يقلِّل في صدور الناس من قيمة العمل الذي أوجبه الله -سبحانه- على العباد، ويكون تعلّق الناس المؤمنين برجائهم في الله وحده؛ دونما عمل يقدّمونه بين أيديهم فعلًا بأمر، وتركًا بنهيٍ، وهو ما يحقق الطاعة الصحيحة لله في أنفسهم، وهذا يعني بالضرورة: عكس ذلك، أي: قد يكون الترك منهم مع الأمر، والفعل مع النهي، وهم بذلك يَرجُون النجاة من العذاب بإرجاءِ أمرهم في حسابهم إلى ربِّهم -سبحانه- إذًا؛ فالإرجاءُ هو: تأخير شيءٍ لا يعرف له وجهٌ يصرفُ إليه؛ لأنه غيبٌ من الغيب، يترك فيه الحكم -ثوابًا أو عقابًا- إلى الله سبحانه وحده، يُقضى فيه على الخلائق، بقبح عمل يعاقبون به، أو بحسن عمل يثابون به، يُصار بهم فيه إلى رحمة من الله، أو إلى عذابٍ، قلَّ العمل فيه أو كثر، صوابًا موافقًا للشرع، أم خطأً مخالفًا للشرع، وليس للإرجاء معنى غيره! ويغلب على المرجئة بهذا المعنى الظَّنُّ بالنجاة من النار.
ولنا أن نسأل هنا: هل يُستثنى واحدٌ من عباد الله من هذا الإرجاء بمثل هذا المعنى؛ يستوي في ذلك من آمن بقلبه، وصدّق وأذعن بعمله الصالحات، ومن آمن بقلبه وصدق فقط، ولم يذعن بصالح العلم؟!
أحسِب أن لا أحدَ قطُّ يجاوز حدود الإرجاء بمثل هذا المعنى، مؤمنًا كأان أم غير مؤمن (30) ، أي: على وجه التعيين لأفرادٍ بأسمأائهم وأعيانهم، أما
على وجه الوصف العام -بالإيمان- أو بالكفر؛ فإن الحكم -حينئذٍ- مختلف، فالمؤمنون هم أهل الجنَّة، والكافرون هم أهل النّار، والله مريدٌ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ