فمثل هذا الذي أصاب حدًا من حدود الله، ولقي ربه غير محدود -وهو محافظٌ على صلاته- يرتجى له النجاة من العذاب، أما إن كان يجمع إلى المعصية التي أصابها -حدَّ بها أو لم يُحدَّ- تركهُ الصلاة، فليس من أولئك في شيء فهي إن جاز التعبير حالات استثنائيَّة اختص الله بها بعضًا من عباده على نحوٍ لم تظهر الحكمة منها، لأمر يريده الله سبحانه.
فعّالٌ لما يشاءُ ويختار، يقدِّم من يشاء من العباد برحمته، وإرادته، وبحكمته؛ استثناءً، ويؤخر من يشاء من العباد بعقوبته، وإرادته، وبحكمته، إستثناءً، ليس للعباد -مؤمِنِهم وكافِرهم- إلاّ التسليمُ والتفويضُ، على أعمال صالحة؛ يرجون بها رحمته، أو على أعمال غير صالحة؛ يخافون بها عذابه، ويدلُّ لهذا قوله سبحانه: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [سورة هود: 106-107] .
هذا الإرجاء بهذا المعنى، وعلى الوجه الذي بيَّنا؛ ليس فيه من حرج يجلب الكفر لمعتقده (31) .
أمّا الإرجاء الذي أصابت منه طائفة من المسلمين ما أصابت من سوءٍ، وأخرجها من حظيرة الإيمان الحق؛ فهو الذي قالوا فيه: لا يضرُّ مع الإيمان به معصية، ولا ينفع به مع الكفر طاعة، فالمرْجأ بهذا المعنى لو حَمَل قُراب الأرض خطايا وجاءَ يوم القيامة ربه وهو يُؤمِن به؛ ما كان إلاّ من أهل الجنّة، ولا يصيب حظًا من النار إلاّ تحلَّة القسم، {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} .
وهذه عقيدةٌ باطلةٌ فاسدةٌ، إذ يخرج بها العبد من الدنيا من غير عمل صالح، وتكون الجنة مفتّحةٌ له أبوابُها، ليدخلها مع الصِّدِّيقين والشهداء، والصالحين، ولربّما كان أسبق منهم إلى الجنّة!!