فآثرت أن أجعلها مسألة برأسها مستقلة من مسائل الطبعة الجديدة من كتابي"تنوير الأفهام"، وجعلت هذا التوضيح حواشيَ، أسفل أصلِ ما كنت كتبتهُ، وجعلتُه في الطبعة الثامنة من كتابي"إرشاد الساري". فمن شاء فليقرأْ بعقله وعينيه، ومن شاءَ فَلْيَبْقَ على ما هو عليه، ليعلم الفرق بين ما انتقل منه، وبين ما صار إليه، إن قدَّر الله يومًا أن يفيءَ إليه.
إيقاظ وتنبيه - (2)
أولًا: اعلم -رعاك الله- أن مما يجرِّئُ السواد الأعظم ممن سوَّل لهم الشيطان أن يتركوا الصلاة -على تركها- هو تعطُل حدود الله، ومنع العقوبات الزاجرة أن تنال من أبشار المستحقِّيها، ولَحَدٌّ يقام في الناس خيرٌ من أن يمطروا أربعين صباحًا، والله سبحانه يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
وحال الأُمة السَّيءِّ، تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، ومثل الصلاة في هذا سائر المعاصي، ولا أدلَّ على ذلك مما هو واقع بين ظهرانينا.
ثانيًا: وقد علمنا أن عقوبة ترك الصلاة هي القتل، سواءٌ أكان التاركها كافرًا أم غير كافر، لكن من الذي ينفِّذُ عقوبة القتل فيه؟ ليس بخافٍ على أحدٍ أن الذي ينفذها هو السلطان، ولا سلطان الآن، وغيابه قد أبطل العقوبة، بل إن غيابه كان أشد الأسباب وأقواها في ازدياد عدد تاركي الصلاة، وكثرة المستخفِّين بها، بل والناهين غيرهم عنها.
أما أن التاركها يموت كافرًا أو عاصيًا فقط، فذا أمر آخر، يعود إلى الدليل الذي يسوقه القائل بهذا القول أو ذاك.
وقولي أنا بتكفير تارك الصلاة ليس قولًا محدثًا، بل المحدث عندي -وهو الظاهر الجليِّ- القول الآخر، إذ إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- على كفر التاركها، كما سبق بيانه مفصَّلًا.