وكانت المدينة مستقر هذه الدولة، والأرض الصلبة التي نشأ فوقها المجتمع المسلم، وصادف ذلك وجود أفراد لم يرضوا عن التحول الذي حدث فوق أرضها، فأخذوا يسعون في سر وعلن لوضع العقبات في وجه ذلك التحول، يظنون بذلك وبالأفكار والمبادئ التي ملأت سخائمها قلوبهم أنهم قادرون على تحقيق مرادهم في الأرض التي نشأوا فيها، وترعرعوا فوق ترابها، ولكن غاب عنهم أن الأرض ليست ملكًا لمن ينشأ فوقها وهو يحمل في صدره عداوة الإنسانية، ويبغي الشر لها من ورائها، ومن خلفها، ولكنها ملك لله وحده، والله يصرف ملكه كيف يشاء، والأرض يورثها الله عباده الصالحين، وهل محمد × وأصحابه رضوان الله عليهم إلا أولئك، فمن أحق منهم فيها إذًا؟
ووجد أيضًا فئة أخرى كانت تسعى في خفاء بعد أن أخذت العهود والمواثيق عليها بموالاة الدولة الجديدة، مع الأفراد الذين لم يداخلهم الرضا عن التحول الجديد الذي حدث فوق أرض المدينة، للحيلولة دون تحقيق الدولة غايتها التي نصبتها أمامها من أول يوم قامت فيه، هذه الفئة هم اليهود، فالتقت الفكرة اليهودية بفكرة المنافقين، وصخبتا بحقدهما على الإسلام وأهله، ظنًا منهما أن الأمر يسير، وليس في تحققه مشقة تذكر، بيد أن الأمر كان أعظم وأشد صعوبة وعناء مما صورته لهم نفوسهم وأطماعهم وأحقادهم معًا.
في مثل هذا الجو لا بد وأن يوضع خط فاصل بين ولاءين، ولاء لله ولرسوله، وولاء لغير الله ولرسوله، وأن يميز كل ولاء من الآخر بسماتٍ يُعرف بها لا تختلط ولا تغيب أو تضل في سمات الولاء الآخر، فمن شاء من الناس فليكن ولاؤه لله ولرسوله، ومن شاء منهم فليكن ولاؤه لغير الله ورسوله.