الصفحة 116 من 194

معه حائرة وجلة، لا يحمل عليه إلا الشفقة والرأفة على مصير إنسان أو فئة يمت أو تمت بصلة القربى والعشيرة إلى ذلك المؤمن فيهم لسانه بوحي من شفقة قلبه ورأفته أن يتحرك بكلمات يدعو بها ربه أن ينزل رحمته أو يدفع عذابه عن ذلك الإنسان، فيقطع القرآن عليه ذلك الولاء الشعوري من غير نظر إلى صلة القربى والعشيرة بآية يبدأ فيها بنهي نبيه × فيقول: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} وقد يقع في وهم بعض المؤمنين ما كان من إبراهيم عليه السلام نحو أبيه من استغفاره ربه له فيدفع ذلك عنهم ويقول: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لله تَبَرَّأَ مِنْهُ} وبذلك يتلاشى ذلك الوهم من نفوسهم وتطمئن قلوبهم إلى أمر الله عز وجل لهم بألا يستغفروا للمشركين.

ومثله قوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .

وما كان ذلك النهي لهم عن الاستغفار لأولئك المشركين، إلا لأنهم شاقوا الله ورسوله، وخالفوا عن شريعة السماء، وتنكبوا طريق الوحي، وإلا لأن الاستغفار لا يحمل عليه إلا الميل الشعوري نحو المستغفر له، وهذا أول مراتب الولاء التي سيعقبها الولاء الحسيُّ الظاهر الجاهز، وهذا ما هو كائنٌ اليوم فينا ثم يكون التقارب والتمازج، ثم يكون ذوبان الأمة بفكرها وقيمها وأخلاقها فيمن كان له منها الولاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت