الصفحة 117 من 194

ولعل هذا الأخير هو السبب الأقوى في أمر القرآن بنبذ الولاء مهما كان نوعه، شعوريًا كان أو حسيًا، خصوصًا في أول عهد الدولة الإسلامية الأولى، لأنها هي التي ستكون القدوة لكل دولة تأتي من بعد، وإن كنت استغفر الله من ذلك، فعندي أن الدولة الإسلامية وقد قامت على أرض المدينة لا ينبغي أن توصف بالأولية، لأن هذا الوصف مشعر بأن ستكون دولة ثانية وثالثة ورابعة وهكذا، وهذا إقرار بالأخطاء التي ارتكبت والآثام التي اجترحت في حق الدولة التي شادها رسول الله صلوات الله عليه، بل ينبغي أن لا تقرن الدولة بهذا الوصف ليظل معنى الدولة على الأقل -قائمًا في صدور المسلمين، وإن كانت شرائع الإسلام معطلة اليوم ومنذ سنين طويلة في معظم الأرض، وليس لهذه الشرائع قوة سلطان تدفع عنها أذى المغرضين والمعتدين وتقيم سورًا منيعًا حول حماها المقدس، وإن كانت الأرض كلها هي حمى دولة الإسلام منذ وجد الإسلام عليها، لأنها ميراث الصالحين بإذنٍ من خالقها ربها سبحانه.

والقرآن كشأنه في كل قضية يعالجها، لا يكون النهي منه أو الأمر دفعة واحدة، بل يسير في ذلك متدرجًا في خطوات متعددة، وذلك أدعى إلى الإقناع بأي مفهوم يريد الوصول إليه وتأكيده في أذهان المخاطبين.

وهذا المفهوم الذي نحن بصدده -مفهوم الولاية-، سار فيه القرآن بيانًا وتحقيقًا في ثلاث دوائر، الثانية منها أوسع من الأولى، والثالثة أوسع من الثانية، وبذلك اكتمل المفهوم اكتمالًا لم يبق للعقل المجرّد معه مجال للإنكار أو الإعراض والصد، وهذه كما أسلفنا طريقة القرآن الفريدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت