وقوله عليه الصلاة والسلام أيضًا:"ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماءِ". وبمثل هذه الآيات والأحاديث الصحيحة تزول ضلالة أخرى من ضلالات أهل الأهواء، وهي أن الله سبحانه في كل مكان، وقد يركنون في هذه الضلالة إلى بعض الآيات، كقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} ، وقوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُم انه معهم بعلمه، فهو عالم محيط بكل شيء خفي أو ظهر، دق أو عظم، كما قال سبحانه: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} . وكما قال: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إحاطة علم الله سبحانه بكل شيء.
•…ثالثًا:
بقيت مسألة أُخرى نريد أن نزيد بها بعض ما قدمنا وضوحًا وبيانًا، يظهر لنا و جه الحق فيها بالمقارنة، فصفة الرحمة أو الرأْفة مشتركة بين الله وبين خلقه في قدر منها أو بمعناها الواسع، يقول الله في حق نبيه عليه السلام: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} . وصف الله نبيه بوصفين وصف بهما نفسه، ولكن بين وصف النبي عليه السلام بالرأْفة والرحمة وبين وصف الله نفسه بالرأْفة والرحمة من الفرق كما هو الفرق بين ذات الرسول × وذات الله سبحانه، فقد مات الرسول عليه الصلاة والسلام، فرحمته ورأْفته ذهبتا معه إلى الرفيق الأعلى، أما الله سبحانه فرحمته ورأْفته أزليتان أبديتان لا تفنيان ولا تزولان.