أما الأحاديث فمثل قوله عليه السلام:"ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، وإقراره الجارية جوابها حين سألها:"أين الله؟"فقالت: في السماء.
هذه الآيات والأحاديث كلها تفيد تنزيه الله أن يكون في غير جهة العلو، وتثبت له الفوقية لأنها صفة كمال، فقوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ} لا تجد في القرآن آية تقول: إنه على أيمانكم ولا عن شمائِلكم ولا من خلفكم ولا من أسفل منكم، بل تجد قولًا لإبليس عليه لعائِن الله حين قضى الله عليه بالطرد من الجنة، فتهدد بني آدم فقال: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ} ، فلماذا عدد إبليس كل الجهات ولم يذكر جهة الفوقية؟ لأنها هي الجهة التي تليق بكمال الخالق سبحانه، فحجبها عنه ولم يمكِّنه حتى من التلفظ بها.
وأما قوله سبحانه: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} ، فهي أيضًا تعني أن الله فوق وليس في غير هذه الجهة، إذ الصعود لا يكون إلى غير جهة الفوق.
وأما قوله سبحانه: {أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السَّمَاءِ} ، فإن كلمة"في"هنا جاءت بمعنى على، كما في قوله سبحانه: {فَامْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا} ، أي على مناكبها، وكما في قوله سبحانه: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} ، أي على جذوع النخل، فلماذا نقول: إن كلمة"في"في هاتين الآيتين تعني الفوقية والعلو، وأنها في قوله: {أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السَّمَاءِ} لا تعني ذلك. هذا التفريق يحتاج إلى ألف دليل ودليل، وليس عليه من دليل أبدًا.