الصفحة 19 من 194

وما قيل في كلمة"في"في قوله سبحانه: {أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السَّمَاءِ} يقال في قوله عليه السلام:"ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، ولمزيد البيان نقول: إن الرسول عليه السلام يطلب من أُمته أن يتراحموا فيما بينهم، وهم أحياء طبعًا، لأن الخطاب الشرعي لا يقصد به الأموات الذين في باطن الأرض، بل يقصد به الأَحياءُ فوقها، فكأنه عليه السلام قال: ارحموا من فوق الأرض تكن لكم رحمة من فوق السماءِ، وهو الله سبحانه، فكلمة"في"في الجملتين تفيد العلو والفوقية لا غير.

والمعنى هو المعنى لكلمة"في"في حديث الجارية التي أمر النبي × سيدها معاوية بن الحكم السلمي أن يعتقها حين أجابته أن الله في السماءِ.

فإذا كان الأمر كذلك، وأن اللائِق بكمال الله سبحانه أن نثبت له صفة العلو والفوقية التي أثبتها لنفسه، وأن لا نتأولها تأوُّلًا نخرج به عن جادة اللغة والدين معًا، فيكون للمعية التي في الآيتين موضوع اعتراض المعترض، {وَهُوَ مَعَكُمْ} ، وقوله: {إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ} معنى يتفق تمامًا مع صفة العلو التي أثبتناها لربنا سبحانه تصديقًا بكتابه وإيمانًا بما جاء به نبيه صلوات الله عليه. هذا المعنى هو أن المعية ليست بذاته، بل المعية بعلمه سبحانه، والعقل فضلًا عن الشرع يأبى أن يكون الله بذاته مع خلائِقه، لأن هذا يقتضي إما تعدد الذات الإلهية بصور وأشكال، وإما تجزئتها، وحاشا لله الذي وصف نفسه بالوحدانية أن يكون كذلك.

وهذا التأْويل الفاسد هو بداية تلكما العقيدتين الفاسدتين الباطلتين في الله سبحانه، عقيدة وحدة الوجود، وعقيدة الحلول، وهما عقيدتان واردتان إلى ديار الإسلام عن طريق فئة آلت على نفسها أن تُخرج المسلمين من دينهم، كما أخرجوهم هم من أديانهم وعقائِدهم الفاسدة الباطلة، فظلت هذه الفئة موتورة على الإسلام وأهله حتى أَدخلت إليهم عقائِدها الخبيثة التي أحسن المسلمون إليهم بإِخراجهم منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت