إذًا فقوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ} ، وقوله: {إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ} هو معكم ومعهم بعلمه لا بذاته، بعلمه الذي أحاط بكل شيءٍ ما خفي وما ظهر، وما دقَّ وما كبر، فهو سبحانه فوق عرشه بذاته، ومع خلقه بعلمه، لا يندُّ عنه من خلقه شيءٌ كما قال سبحانه في حقِّ نفسه: {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} ، وكما قال: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين} .
وكثيرًا ما يتردد على ألسنة الناس كلمة: لا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل. وأحسبها -وهي كلمة ثمينة- تحتاج إلى شيءٍ من التوضيح في هذا الموطن، فأقول: وصف الله سبحانه نفسه بأوصاف، ربَّما أوقعت اللبس في قلوب كثير من الناس، كما في قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَة...} ، وقوله عليه السلام:"إذا كان ثلث الليل الآخر ينزل ربنا إلى السماء الدنيا". وأسلم ما يسلم به العبد من هذا أن يعلم ويوقن أن الله ينزل، فنفى التعطيل، وأن نزوله غير معلوم الكيفية البتة، فانتفى التمثيل والتشبيه، فيبقى النص القرآني أو النبوي حافظًا لمعناه كما هو محفوظ بحروفه ومبناه. إذ الحفظ لا يكون هو الحفظ المراد لله إلا بمثل هذا، ولو كان شيء من التمثيل والتشبيه -وحاشا- لتطرق ولا بدَّ النقص لكلامه سبحانه، إذ النقص كما يكون بغياب الحرف أو الكلمة أو الجملة هو أولًا ايذان بضياع كله، وليس من فرق بين تطرق النقص له بالحرف وبين تطرقه له بالآية أو السورة.