الصفحة 21 من 194

والنقص يكون بغياب الجزء من حرف ونحوه، فإنه يكون أيضًا بالزيادة بالتأويل، إذ التأويل بغير مراد الله سبحانه هو نفي له، والنفي ولا شك هو نوع انتقاص لسلامة كلامه سبحانه وصحته وكماله، وكي يسلم لنا النص القرآني أو النبوي فلا يجوز أن يؤخذ بشيء من التأويل بل يجب أن يبقى على ما يكون من توافق بين الحرف العربي الناطق بمعناه المتبادر منه، وإلا ما كان الله سبحانه أن يكون تكلم به، ولو كان المعنى المتبادر غير مراد الله سبحانه، لكان أعلمنا بمراده الخفي عنا - أي لكان قد ترجم الله لنا كلامه بكلامه كيلا يقع التأويل على غير مراده، بما خفي من معنى الحرف الذي ما كان لينزل القرآن به إلا تيسيرًا لفهمه، وتمثل العمل به بهذا اليسر، ودعوة الناس على هدي إليه.

وليس من شك أن الفهم الصحيح لا تؤتاه الأمة إلا بمثل ما فهمه الجيل الذي عاشه في أكناف النبوة، ولو جهد العلماء في كل أعصارهم وأمصارهم ما كان لهم ليجدوا من علم يزيد على ما أفاء الله به على ذلك الجيل العظيم الذي عنت له اللغة بكل ضروب فصاحتها، وأسلمت له دلالات حروفها، وسمو معانيها ودقة استقاماتها وأسلمت لهم قيادها وبسلامة... الخ.

وحفظ المعنى الذي أشرنا لا يمكن أن يكون ولا يصلح أن يكون على المراد الذي يختلف على مر العصور، إلا بمثل ما عرفه الجيل الأول الذي حفظ الله به الكلمة القرآنية العربية بما تهدي إليه فطرتها وقانونها، وقانونها وضعه الله، وعلمه عباده، وأنزل به كتابه، وعصم به أصحابه، فكانوا سواسن الزمن -أنجم الدهر.

وأنه لمن البلاء المحكم الذي لا يطيق الصبر عليه إلا أن يكون هو البلاء نفسه- أن توضع الأمة في كتابها إيضاعًا يضلها عن كل ما أفاء الله به عليها من أسباب رفعتها وعزتها وبقاءِ ثقافتها، وترخص نفسها ويسهل عليها التفريط في هوية ذاتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت