وإذا ما نظرنا في قوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ...} لم نجد من التحول عن ظاهر اللفظ لنصيب المعنى المراد بغير ما يتبادر من معنى اللفظ الظاهر، إذ المعية معيتان كما تقضي به قواعد الله، معية ذات، ومعية علم ورعاية، فمعية الذات تقتضي الملازمة بالصحبة، ومعية العلم تقضي الإحاطة بما يكون من شأن من تكون له معية بأمر من تكون له تلك المعية على الحال التي تكون بها، وحسب ما تحيط به من أسباب الدراية والذات التي تصيب من هذه الأسباب بنوع المعية التي تهدي إليها الحال التي هي عليها.
ولا ريب في أن المعية التي يحيط (صاحبها) علمًا بكل شيء ليست تحتاج إلى أسباب تقربها فتكون أقدر على العلم والإحاطة، فإن بعدت هذه الأسباب بها أو خفيت عنها، فتضعف قدرتها عن العلم والإحاطة بقدر ما تبعد، فالله سبحانه لا يحتاج (وحاشاه) وهو خالق كل شيء، وله الأمر
كله، والعلم جميعه والإرادة.
وهذا التأويل -ولا بد منه- ينفي التأويل غير المراد لله سبحانه من تأويل بباطل أدخلته الأهواء الطائرة في آفاق ديار المسلمين، والمكر السيئ بهم، والانثناء الواقد بالشر على دينهم، والرصد الواغر بالحقد على لغتهم.
والعقل السليم لا يثبت غير ذلك لله، إذ لو كان الله على غير هذه الصفة لما كان علمه إلا بقرب ذاته من الأشياء التي خلقها، والعلم بقرب الذات ليس فيه أمر يجاوز نطاق العقل، فلا تكون هناك مخالفة لله عن خلقه في علمه وإرادته، إذ الخلائِق أصبح لهم سلطان على الأشياء بعلمهم وقربهم منها.