الصفحة 24 من 194

ويشبه هذا المعنى الذي أراده الله من هذه الآيات الثلاث، معنى حديث مشهور يجري على ألسنة الناس، وهو حديث الولاية الذي يرويه الرسول × عن ربِّه:"من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب...."الحديث، ولو سألنا الذين يتأولون العين واليد والاستواء وغيرها من الصفات التي أثبتها ربنا سبحانه لنفسه عن معنى قوله في هذا الحديث: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، لقالوا في السمع والبصر واليد من غير تأويل لها، أما الرِّجل فإنهم سيؤولونها، لماذا هذا التأويل؟ ليس إلا تنزيهًا للخالق سبحانه، فمن أين جاؤوا بهذا التفريق الذي لا دليل عليه إلا أمر عاطفي وجداني محض.

والتأويل الحق لهذا الحديث هو كالتأْويل للعين التي جاءت في هذه الآيات الثلاث. فالعبد إذا أطاع ربَّه وأخلص له العبادة كان موفقًا في كل ما يفعلُ وما يقولُ، فهو إن سمع كان موفقًا فيما يسمَع، وإن أبصر كان موفقًا فيما يُبصر، وإن أصابت يده شيئًا أو تحركَ برجله إلى شيءٍ كان موفقًا فيما يفعله، ولا يُعقل في حقِّ الله أن يكون هو بصر العبد وسمعه، ويده ورجله، وإلا انتهينا إلى ضلالة كبيرة في العقيدة هي عقيدة الاتحاد والحلول.

بمثل هذا الفهم للقرآن الذي يقتضيه أمران اثنان، وهما تنزيه الله سبحانه عمّا لا يليق به، وقواعد اللغة العربية وأُصولها، يمكننا تجنب الوقوع في الإفك والضلال الذي وقعت فيه الفرق الضالة التي قال فيها رسول الله ×:"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة".

بقي أمرٌ مهمٌّ جدًّا يجب أن نبيِّنه، وهو أن الرسول × علم أن أُمورًا كثيرة من أمور العقيدة بوحي من ربه ستقع فيها الأمة من بعده فبيَّنها بيانًا شافيًا لم يدع مجالًا فيها لمرتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت