الصفحة 26 من 194

الحمد لله الذي جعل في الحقِّ وثاق قلوبنا، وفي القرآن العظيم نور صدورنا، وفي السُّنَّة الشريفة الغرَّاء حسنَ الاتباع لنبيِّنا، وفي عمل القرونِ الثَّلاثة المفضلة الأولى البرهان الظاهر الباقيَ في وجوب التمسك والعملِ إلى يومِ القيامةِ بديننا أما بعد:

فإني لأشكر لنفرٍ من إخواننا حسن صنيعهم بإيثارهم الحكمة الشرعية، والأدب العلمي -وقد لُبِّسَ عليهم شيءٌ مما كتبته في شرطي الصحة والكمال- الأدب الذي أعرض عنه جلُّ طلاب العلم، وغُميِّ عليهم، وصاروا إلى غيره في زماننا هذا، الذي أضحى العلم فيه نُهبة غائِر، وسلعة عائِر، وخبطةَ عاثر، وصار الحسيب فيه مطعونًا عليه في نَسبه، والمغموز في نسبه صاعدًا في حسبه، والخائنُ أمينًا عليًَّا، والأمين خائنًا رَزيًا، وأُبْهِمت السبيل على الغادين المجدِّين، وعُمِّيَت الجادَّة على الرائحين الشاغبين.

فما كان من هؤُلاء الإخوان، إلا أن فرحوا بما أظهرت لهم ما كان قد خفي عليهم، وعرفوا أن الحق إن شاءَ الله الذي لا ريب فيه، من أنَّه لا فرق -بل وما ينبغي ذلك- بين شرطي الكمال والصحة، وأهلُ الحق في أيِّ مكان، وفي أيِّ زمان لا يستعصون على الحق، ولا يتأبَّونه حين يصيرون إليه بالدليل الذي لا يقبل التغيير ولا التَّبديل.

فأقولُ وبالله ومنه التوفيق والسَّداد:

أولًا: لا أعلم أن لهذا التفريق أصلًا في العهد الأزهر الأول، عهد رسول الله ×، ولا جرى له ذكرٌ على لسان أحدٍ من أصحابه رضي الله عنهم، لا في حياته ولا من بعد موته، حتى ولا ما يشي أو يشير أو يومىءُ إليه، ومن أدَّعى غيره فعليه أن يُفْصح بالدليل، أو يبينُ عن الحجة، ولا أحسبه واجِده، لا تحت التراب ولا فوق السحاب، إذ مثلُ هذا القول لو كان -وقد أضحى في الناس أصلًا من الأصول، وشاع فيهم شيوع الضوء والهواءِ- لا يمكن أن يأْتي عليه يوم بعد قوله -لو أنه قيل- إلا وقد صار إلى مسامع الناس، ولقفته عقولهم، وحفظته ذواكرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت