رابعًا: فقوله سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...} الآية، واضح الدلالة على عدم التفريق بين شرطي الكمال والصحة، إذ قوله سبحانه: {أَكْمَلْتُ} صريح في أن الدين الذي كان قد أنزله الله على النبي عليه السلام، كان فيه نقص أَتمه الله يوم حجة الوداع، والنقص هنا ليس نقصًا في لفظ النص القرآني، لا في جملته، ولا في تفصيله -وحاشاه- لكن النقص: بأن الله سبحانه لم يكن قد أذِن بإنزال آيات الأحكام والتشريع كلَّها، فلمَّا وافى اليوم الذي أنزل فيها: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ} كان الكمال والتمام للأحكام والتشريع، نعمة أنعم الله بها على الناس، وهي أجلُّ نعمةٍ، وأصلحها لشؤون العباد كافّة، وهذا يشبه قوله سبحانه بقريب من معناه: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} فقوله: {مُّحْدَثٍ} وصف للتنزيل، وليس وصفًا للذكر المنزل.
وهل كان لدين الله سبحانه أن يحفظ إلا على صحّة؟ وهل تكون صحة إلا على حفظ؟ ولو أننا قلنا: الصحة شرطٌ في الكمال، والكمال شرطٌ في الصحة، لكان هذا وحده أغنانا عن إيراد ما أوردناه بتمام وكمال، فهما -الصحة والكمال- متداخلان بمعناهما، لا يصلح هذا إلا بذاك، ولا ذاك إلا بهذا، فأيُّ نقصٍ يكون -لو أنه كان وحاشا أن يكون في كتاب الله- يستوي في أن يكون بحرفٍ أو بكلمةٍ أو بآية، فهو نقصٌ يردُّ وعد الله بحفظه وكماله وتمامه، وإذ ذلك كذلك، فهو حينئذٍ عارٍ عن الصحة التي حفظ الله سبحانه بها كتابه كاملًا، ودفع بها الريب عنه {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} وهذا شيءٌ يبرأ منه كتاب الله.